الأردن يقر ضريبة خضراء لتمويل البنية التحتية المستدامة
مقدمة: السياق البيئي والاقتصادي في الأردن
يُعَدُّ الأردن من البلدان الأكثر عرضةً لتحديات المناخ وشح الموارد المائية في العالم، حيث تصنفه تقارير الأمم المتحدة كواحد من أكثر الدول ندرةً في المياه على مستوى نصيب الفرد السنوي، مع ضغوط متزايدة ناجمة عن ارتفاع درجات الحرارة وتذبذب هطول الأمطار، بالإضافة إلى النمو السكاني واستقبال موجات اللجوء المتكررة من دول الجوار. تسعى الحكومة الأردنية إلى تحقيق تنمية مستدامة تواجه هذه التحديات، وذلك عبر مشاريع كبرى مثل مشروع التحلية الوطني لنقل مياه البحر الأحمر إلى عمان والمناطق المجاورة، والذي من المتوقع أن يخفف أزمة المياه المزمنة ويُدَعَم باعتبارات بيئية ومناخية صارمة. في هذا الإطار، تبرز فكرة فرض ضريبة خضراء كأداة مالية جديدة تهدف إلى تعبئة موارد إضافية لتمويل البنية التحتية المستدامة ومشاريع التكيّف مع المناخ، وتقليل الانبعاثات، وتعزيز مرونة الاقتصاد الأردني أمام الصدمات البيئية المستقبلية.
دوافع فرض الضريبة الخضراء
ترتكز دوافع فرض ضريبة خضراء على مبدأ “التلويث يدفع” (Polluter Pays Principle)، حيث يتم تحميل الجهات أو الأنشطة التي تولد انبعاثات كربونية أو تُسهم في أضرار بيئية تكلفةً تُمثّل جزءًا من الأثر الخارجي السلبي على المجتمع والبيئة. هذا المبدأ اعتمدته دول عدة على مر العقود؛ فعلى سبيل المثال بدأت دول شمال أوروبا بفرض ضرائب على الطاقة منذ السبعينيات، مثل الدنمارك والسويد، للتشجيع على ترشيد استهلاك الطاقة والتحول إلى مصادر متجددة. كما نجحت سويسرا في إعادة توجيه جزء من عائدات ضريبة الكربون نحو برامج تحسين كفاءة المباني وإعادة توزيع الجزء الآخر على المواطنين لتعزيز القبول الاجتماعي. في حالة الأردن، يمكن أن يتم توجيه ضريبة خضراء على الوقود الأحفوري أو انبعاثات المصانع أو على نشاطات ذات بصمة كربونية عالية، بحيث تُوظَّف العائدات في مشاريع مستدامة ترتبط مباشرة بأجهزة
الفوائد المتوقعة من الضريبة الخضراء
تمويل مشاريع المياه والطاقة المتجددة: يمكن استخدام عوائد الضريبة في دعم مشاريع تحلية المياه وربطها بشبكات الطاقة الشمسية لتقليل التكلفة التشغيلية والانبعاثات المرتبطة بتحلية المياه. كما تتيح الموارد عمل استثمارات في شبكات توزيع المياه بكفاءة أعلى وتقليل الفاقد، الأمر الذي سبق أن دعمه البنك الدولي عبر تمويل مشاريع لتحسين كفاءة شبكات المياه في الأردن بقيمة تقديرية تبلغ مئات الملايين من الدولارات.
دعم البنية التحتية للنقل المستدام: يُمكن توجيه جزء من الإيرادات إلى توسيع شبكات النقل العام منخفض الانبعاثات، وتشجيع استخدام المركبات الكهربائية عبر إنشاء محطات الشحن، بما يتوافق مع إطار تشغيلي لتنظيم شحن المركبات الكهربائية في المملكة .
تعزيز الاستثمارات الخضراء والابتكار: توفير تمويلٍ لخدمات استشارية ودعم فني للقطاعين العام والخاص لتبني تقنيات صديقة للبيئة، على غرار تجارب بنك الأردن الكويتي في إصدار أول سند أخضر بالتعاون مع مؤسسة التمويل الدولية لتمويل مشاريع الطاقة المتجددة ووسائل النقل منخفضة الانبعاثات.
تعزيز مرافق التكيّف مع المناخ: تمويل مشاريع إعادة تأهيل البنية التحتية للمياه، وتحسين شبكات الصرف الصحي ومعالجة المياه لمعالجتها وإعادة استخدامها في الزراعة، مما يسهم في بناء مرونة أكبر أمام موجات الجفاف والفيضانات المحتملة نتيجة التغير المناخي.
تصميم نظام الضريبة الخضراء في الأردن
تحديد قاعدة الضريبة: ينبغي اختيار قاعدة واضحة، مثل ضريبة على الانبعاثات الكربونية (CO₂) الصادرة عن الوقود الأحفوري في محطات توليد الكهرباء أو المصانع الكبرى، أو ضريبة على استهلاك الوقود الأحفوري في قطاع النقل. يمكن أيضًا تطبيق جزء من الضريبة على المنتجات أو السلع المستوردة كثيفة الانبعاثات عند إنتاجها (آلية تعديل الحدود
تقدير السعر المناسب: يجب دراسة مستوى السعر (per ton CO₂) بناءً على تحليل اقتصادي بيئي شامل، بحيث يكون كافيًا لتحفيز التحول نحو التقنيات النظيفة دون إحداث صدمة اقتصادية كبيرة. ويُستحسن البدء تدريجيًا بأسعار منخفضة تتزايد بشكل منتظم وفق جدول زمني محدد.
العدالة الاجتماعية والتوزيع: لضمان قبول مجتمعي، يمكن إعادة توزيع جزء من عائدات الضريبة عبر برامج دعم للفئات الضعيفة، أو خفض ضرائب أخرى (نهج الحيادية الإيرادية)، الأمر الذي اتبعته بعض الدول الأوروبية في حزم اجتماعية مرفقة بضرائب الكربون.
آليات الإدارة والشفافية: يتطلب الأمر بناء قدرات إدارية لدى الجهات المختصة في دائرة ضريبة الدخل والمبيعات ووزارة البيئة ووزارة التخطيط، لوضع إطار قياس الأثر البيئي والمالي، والإبلاغ الدوري عن استخدام الموارد، وبناء نظام معلومات يضمن تتبع الإيرادات وإنفاقها على المشروعات المستهدفة بشكل شفاف.
الربط مع أدوات تمويلية أخرى: يمكن للضريبة أن تكمل أدوات مثل السندات الخضراء السيادية المتوقع طرحها، حيث تستفيد الحكومة من تنويع مصادر التمويل وخلق محفظة مستدامة للمشاريع الخضراء، كما أشارت خطط البنك الدولي لدعم إصدار أول سند أخضر سيادي في الأردن.
التحديات المحتملة
المقاومة السياسية والمجتمعية: قد يواجه تطبيق ضريبة جديدة مقاومة من أصحاب مصلحة تخشى زيادة التكاليف، خصوصًا في قطاعات النقل والطاقة. لذا يلزم حوار مجتمعي واسع، واستراتيجية تواصل تشرح فوائد الضريبة على المدى المتوسط والبعيد.
القدرة الإدارية والفنية: قد تحتاج الجهات الحكومية إلى تطوير أنظمة قياس الانبعاثات المرتبطة بالأنشطة الخاضعة للضريبة، وهو ما يتطلب تدريبًا وبناء قواعد بيانات موثوقة.
التأثير على القدرة التنافسية: يجب تقييم الآثار المحتملة على المنتجات المحلية التنافسية، مع وضع تدابير تخفيفية إن لزم، أو التدرج
توقيت التنفيذ: ينبغي اختيار توقيت لا يتزامن مع ضغوط اقتصادية حادة أو أزمات أخرى، ويمكن الاستفادة من مراحل التعافي الاقتصادي بعد الجائحة أو دعم شركاء دوليين للتخفيف من الصدمة الأولية.
توصيات لآلية التنفيذ الناجحة
مرحلة تحضيرية ودراسات جدوى: إجراء دراسات ميدانية لتقدير الانبعاثات الحالية وكلفة التحول، والوقوف على القطاعات الأهم من الناحية البيئية والاقتصادية.
الحزم المرافقة: تخصيص جزء من العائدات لدعم الفئات الهشة وقطاعات اقتصادية تحافظ على العمالة مع تشجيع التحول نحو نشاطات خضراء.
التنسيق مع الشركاء الدوليين: الاستفادة من الخبرات والتمويل الميسر من المؤسسات الدولية (البنك الدولي، والصناديق الخضراء، وغيرها) لدعم المشروعات وتخفيف مخاطر التمويل.
التقييم والمتابعة: وضع مؤشرات أداء بيئية واجتماعية واقتصادية، ورفع تقارير دورية تبرز مدى تقدم المشاريع وفعالية الضريبة في خفض الانبعاثات وتعزيز البنية التحتية.
التدرج والتوسع: البدء بقاعدة ضريبية محدودة في قطاع محدد (مثل محطات التوليد أو الوقود)، ثم التوسع تدريجيًا إلى قطاعات أخرى بعد بناء الخبرة وتحقيق نتائج إيجابية ملموسة.
التواصل والشفافية: إطلاق حملات توعوية تشرح للمواطنين الفوائد طويلة الأجل، مع توفير بوابات إلكترونية تعرض التقارير وتكشف عن استخدام العائدات وشموليتها للمشاريع الخضراء.
خاتمة
في ظل التحديات المناخية الكبيرة التي تواجه الأردن، يمثل اقتراح فرض ضريبة خضراء فرصة لاستحداث موارد مالية مستدامة تمكّن المملكة من الاستثمار بقوة في البنية التحتية الصديقة للبيئة، وتعزيز مرونتها تجاه التغيرات المستقبلية. يتطلب ذلك رؤية متكاملة تنسق بين السياسات المالية والبيئية والاجتماعية، وتستفيد من الخبرات المحلية والدولية، وتضمن عدالة التوزيع والقبول المجتمعي. إذا أُحكم تصميم الضريبة ونُفذ بقدرات إدارية عالية، يمكن أن تكون هذه الخطوة محطة