لبنان يُطلق برنامج سندات للمغتربين بفائدة محفزة بالليرة

لمحة نيوز

لبنان يغازل أبناءه المغتربين: سندات بفوائد محفّزة بالليرة لدعم الاقتصاد والليرة معًا

في خطوة غير تقليدية تحمل بين سطورها أبعادًا اقتصادية ووجدانية، أطلق مصرف لبنان بالتعاون مع الجهات الرسمية برنامجًا جديدًا لاستقطاب أموال المغتربين عبر إصدار سندات بالليرة اللبنانية بفائدة محفّزة، موجّهة خصيصًا للبنانيين المقيمين خارج البلاد.

هذه الخطوة، التي تأتي في ظل تعقيدات مالية واقتصادية متراكمة، تعكس تحوّلًا في طريقة تفكير الدولة اللبنانية تجاه جاليتها في الخارج. فالمغترب الذي طالما كان الداعم الأول لاقتصاد بلده، يُطلب منه اليوم أن يكون شريكًا في "محاولة الإنقاذ" عبر آلية رسمية ومضمونة لأول مرة منذ سنوات.

الهدف: دعم الليرة وتحريك السوق المحلية

أكثر ما يلفت في هذا البرنامج هو كونه مُقوّمًا بالليرة اللبنانية وليس بالدولار، ما يضعه في صميم المعركة الأكبر: استعادة الثقة بالعملة الوطنية. فالحكومة، بالتعاون مع مصرف لبنان، تراهن على أن ضخ أموال المغتربين بالليرة سيؤدي إلى

تنشيط الاقتصاد المحلي، وكبح الطلب على الدولار، وبالتالي تعزيز استقرار سعر الصرف.

لكن هذه المعادلة ليست سهلة التنفيذ، إذ تتطلب إغراءً فعليًا للمغترب حتى يغامر بأمواله في سوق فقد الثقة منذ سنوات. هنا، تظهر الورقة الأهم في يد الدولة: فائدة محفّزة تفوق النسب العالمية.

ما الذي يُغري المغترب؟

بحسب التفاصيل الأولية، فإن الفائدة السنوية على هذه السندات قد تتجاوز 14%، وهو رقم لافت بالمقاييس العالمية، خاصة في ظل معدلات فائدة منخفضة في معظم دول الاغتراب. يُضاف إلى ذلك ضمانات قانونية تتعهد بصرف الفوائد بانتظام، وإمكانية تحويل الأرباح إلى حسابات مصرفية في الخارج.

لكن الإغراء لا يقتصر على الأرقام فقط. فالدولة تلعب أيضًا على وتر الحنين والانتماء. الإعلان عن البرنامج جاء مصحوبًا بخطاب وجداني واضح، يتحدث عن "الدور الوطني للمغترب"، وعن "الثقة التي يحتاجها الوطن من أبنائه في الخارج"، وهو خطاب قد يجد صداه لدى شريحة واسعة من اللبنانيين الذين يشعرون بأن الوقت حان لفعل شيء إيجابي

تجاه وطنهم الأم.

مخاوف مشروعة وتساؤلات حذرة

رغم الحوافز، لا يمكن إنكار وجود تحفّظات عميقة لدى الكثير من المغتربين. فالسؤال الأبرز الذي يتكرر: ما مدى أمان هذه السندات؟ وهل سيتم الالتزام فعلاً بالدفع في الوقت المحدد؟

التجارب السابقة، خاصة بعد الأزمة المالية التي ضربت البلاد عام 2019، لا تزال حاضرة في الأذهان. الكثيرون فقدوا أموالهم المحجوزة في المصارف، والثقة بالقطاع المالي لم تُرمم بعد. لذلك، فإن النجاح الفعلي لهذا البرنامج سيعتمد على شفافية التنفيذ، والالتزام الصارم بالمواعيد، وإدارة جيدة للأموال.

مؤشرات أولية إيجابية: تجاوب أولي في الخليج وأفريقيا

وفقًا لمصادر مصرفية، فقد بدأ البرنامج يُحدث أصداء إيجابية في أوساط الجاليات اللبنانية في الخليج وأفريقيا، حيث أبدت شرائح رجال الأعمال والمستثمرين اهتمامًا مبدئيًا بالمشاركة، خاصة إذا ما توفرت قنوات قانونية مضمونة، وعوائد مضمونة بالليرة، مع إمكانية إعادة تحويل الفوائد بالدولار عند الحاجة.

هل يكون هذا البرنامج
بداية جديدة؟

يقرأ كثيرون هذا التحرك كإشارة على بدء مرحلة جديدة في التفكير الاقتصادي اللبناني. فبدل الاعتماد على المساعدات المشروطة أو القروض الخارجية، بدأت الدولة تفكر في أدوات داخلية تعتمد على ثقة الناس، لا على شروط صندوق النقد الدولي.

قد لا يكون هذا البرنامج عصا سحرية، لكنه يشكّل بارقة أمل في بلد يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى ضخ دم جديد في شرايينه المالية. والمغترب اللبناني، الذي لطالما شكّل "احتياط الوطن"، قد يكون فعلًا شريك المرحلة القادمة إذا ما أحسنّت الدولة إدارة هذه الفرصة التاريخية.

خاتمة: بين الواقعية والطموح

يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع لبنان الحفاظ على هذه المبادرة وحمايتها من مصير البرامج السابقة؟ وهل المغترب مستعد فعلًا للمخاطرة من جديد؟

الجواب لن يُكتب بالكلمات، بل بالأفعال. فإذا ما شعر اللبناني بالخارج أن هذه السندات تمثّل فرصة اقتصادية حقيقية، لا مجرد محاولة استغلال مؤقتة، فقد يمد يده من جديد لإنقاذ وطنه. وحينها، ستكون هذه السندات أكثر

من مجرد ورقة مالية… ستكون وثيقة ثقة متجددة بين الدولة وأبنائها في الشتات.

تم نسخ الرابط