الكويت ترفع دعم الوقود وترفع أسعار الطاقة رسميًا

لمحة نيوز

الكويت ترفع دعم الوقود وتعلن زيادة أسعار الطاقة: إصلاح مالي يغيّر قواعد اللعبة

التمهيد: تحوّل اقتصادي في توقيت حرج

أعلنت الكويت مؤخرًا خطوة غير مسبوقة برفع الدعم عن الوقود وزيادة أسعار الطاقة، في إطار خطة إصلاح اقتصادي تستهدف ترشيد الإنفاق وتخفيف الضغط على الميزانية العامة. القرار الذي ظلّ مطروحًا على طاولة النقاش لسنوات، دخل حيّز التنفيذ مع مطلع عام 2025، ليشكّل نقطة تحوّل في السياسة الاقتصادية للبلاد، ويضع المواطنين والمقيمين أمام واقع جديد لأسعار الوقود والطاقة.

خريطة الإصلاح: لماذا رفعت الكويت الدعم الآن؟

جاء القرار في سياق سعي الحكومة الكويتية لتقليص فاتورة الدعم السنوية، التي تجاوزت مليار دولار خلال السنوات الماضية. وتؤكّد وزارة المالية أن استمرار هذا الدعم كان يشكّل عبئًا متزايدًا على الميزانية، ويهدّد استقرار المالية العامة، خاصة في ظل تقلبات أسعار النفط العالمية. الهدف الأبرز من القرار يتمثل في توجيه الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين، ووقف الهدر الناتج عن الاستهلاك غير العادل، لا سيما في ظل هيمنة الوافدين على المشهد الاستهلاكي للوقود في الدولة.

الأسعار الجديدة: أرقام تكشف التغيّر

مع دخول القرار حيّز التنفيذ، جاءت التسعيرة الجديدة

للوقود على النحو التالي:

بنزين 91 (ممتاز): من 85 فلسًا إلى 105 فلسات للتر (+24٪).

بنزين 95 (خصوصي): من 105 فلسات إلى 130 فلسًا للتر.

بنزين 98 (ألترا): بلغ سعره 250 فلسًا للتر الواحد.

الديزل والكيروسين: ارتفع من 55 فلسًا إلى 170 فلسًا، ثم خُفّض لاحقًا إلى 110 فلسات استجابة لملاحظات السوق.

وبهذه التعديلات، باتت أسعار الوقود في الكويت أقرب إلى المستويات الإقليمية، بعد أن كانت تُعد من الأرخص في منطقة الخليج.

المكاسب الاقتصادية المتوقعة

تشير التقديرات إلى أن التحرير الجزئي لأسعار الوقود سيوفّر ما لا يقل عن 10.7 ملايين دينار كويتي سنويًا من مبيعات بنزين 91 و95 فقط. أما تحرير أسعار الديزل والكيروسين فقد يؤدي إلى توفير سنوي يصل إلى 150 مليون دينار.

ووفقًا لبيانات سابقة، كانت فاتورة دعم الوقود تُقدّر بنحو 976 مليون دينار سنويًا، يُباع منها فعليًا بما يقارب 651 مليون دينار، ما يعني أن الدولة كانت تتحمّل دعمًا مباشرًا بنحو 325 مليون دينار — أي أكثر من مليار دولار سنويًا تُستنزف من الخزينة العامة.

التركيبة السكانية في قلب المعادلة

تُعد التركيبة السكانية أحد المحددات الرئيسة للسياسات الاقتصادية الجديدة. فعدد السكان في الكويت يبلغ نحو 4.9

ملايين نسمة، يشكّل المواطنون منهم قرابة 1.545 مليون نسمة فقط، مقابل أكثر من 3.3 ملايين وافد.

ويعكس قرار رفع الدعم عن الوافدين فقط – دون المواطنين – محاولة لتحقيق التوازن بين العدالة الاجتماعية والتكلفة الاقتصادية. إذ ترى الحكومة أن استمرار دعم الوقود للجميع دون تمييز يُفضي إلى تشوّهات في الاستهلاك ويثقل كاهل الدولة دون جدوى.

استهلاك متضخم: أرقام مقلقة

أظهرت إحصاءات العام المالي 2022/2023 أن الكويت استهلكت قرابة 4.89 مليارات لتر من البنزين، منها أكثر من 3 مليارات لتر من نوع 91 فقط، بنسبة تفوق 60٪ من الإجمالي. هذا الرقم يُقارن بمتوسط 731 مليون لتر فقط في عام 2015، ما يعني تضاعف استهلاك بنزين 91 بأكثر من أربع مرات خلال أقل من عشر سنوات.

وقد أدى هذا النمو المتسارع في الاستهلاك إلى اضطرار الكويت لاستيراد البنزين لأول مرة منذ أكثر من عقد، في مؤشر صريح على تفاقم الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك الداخلي.

إلى أين تتجه السياسة: دعم جزئي أم تحرير شامل؟

تدرس الحكومة الكويتية مسارين رئيسيين في معالجة ملف الدعم:

التحرير الجزئي: ويقتصر على رفع الدعم عن الوافدين، مع الحفاظ على الدعم الكامل أو الجزئي للمواطنين.

التحرير الكامل: يعتمد على ربط الأسعار

بالسوق العالمي، مع تقديم تعويضات مالية مباشرة للمواطنين المتأثرين.

وقد باشرت الكويت بالفعل تطبيق نموذج التحرير الكامل اعتبارًا من مارس 2025، ما يشير إلى توجه واضح نحو تحرير الأسعار بالكامل على المدى القريب.

جدل داخلي وردود أفعال متباينة

أثار القرار موجة من النقاش بين الكويتيين، حيث اعتبره البعض خطوة حتمية لمعالجة اختلالات هيكلية في الاقتصاد، بينما رأى آخرون أنه يزيد من الضغوط المعيشية، خاصة على ذوي الدخل المحدود.

في المقابل، ترى الحكومة أن القرار ليس سوى بداية لمسار أطول من الإصلاحات الهيكلية التي تشمل تقليص الاعتماد على النفط، وتعزيز تنويع مصادر الدخل، وتحقيق العدالة في توزيع الدعم الحكومي.

خاتمة: لحظة مفصلية في تاريخ الاقتصاد الكويتي

يأتي رفع دعم الوقود في الكويت كمؤشر على نية الدولة الجادة في معالجة الاختلالات المالية البنيوية، حتى وإن تسبّب ذلك في بعض التحديات الاجتماعية. فالمرحلة المقبلة ستتطلب إدارة دقيقة ومتوازنة تضمن نجاح الإصلاحات دون الإخلال بمستوى معيشة المواطنين.

إن نجاح التجربة سيعتمد على الشفافية، التواصل الفعّال مع الرأي العام، وتقديم البدائل المناسبة، بما يضمن استمرار المسار الإصلاحي دون اضطرابات. وبين صعوبات الواقع وتطلعات

التنمية، تضع الكويت أولى خطواتها نحو نموذج اقتصادي أكثر استدامة وعدالة.

تم نسخ الرابط