Rawan bin Hussain تجمع بين الموسيقى والأزياء في تعاون وترًا

لمحة نيوز

رؤى روّان بن حسين في تعاون "وترًا" الذي يُعيد تعريف الحوار بين الموسيقى والموضة

في مشهد ثقافي سعودي يزخر بالتحولات الإبداعية، لا تقدم الفنانة روّان بن حسين مجرد تعاون بين الموسيقى والموضة، بل تنسج حواراً فلسفياً عميقاً يتجاوز السطح ليلمس جوهر الهوية والتعبير. مشروعها "وترًا" ليس مجرد مجموعة ملابس مستوحاة من ألحان، أو ألبوم موسيقي مصحوب بإطلالات، بل هو رحلة استكشافية تُجسّد فكرة أن الإبداع سائلٌ يتدفق عبر قنواتٍ متعددة، وأن الحدود بين الفنون واهية عندما يتعلق الأمر بتجسيد المشاعر وإحياء التراث بلمسة معاصرة.

ما وراء الإلهام: التشريح الإبداعي لـ "وترًا"

الموسيقى كلباس للروح: لم تكتفِ روّان باستلهام "مزاج" موسيقي عام للتصميم. بدلاً من ذلك، قامت بعملية تفكيك بنيوي لأعمالها الموسيقية:

اللحن كنسيج: تحولت الخطوط اللحنية المتعرجة أو المتدفقة إلى تطريزات معقدة على الأكمام أو خطوط قطع غير متماثلة في التصاميم، وكأن النوتات الموسيقية تحولت إلى خيوط مرئية.

الإيقاع كحركة: الإيقاعات المميزة التي تعتمد عليها روّان (كالطبلة أو الدف) تجسدت في تطبيقات معدنية تطرق مع الحركة، أو في طبقات القماش المتداخلة التي تخلق إحساساً بالإيقاع البصري عند المشي.

المقام كلون: ارتبطت المقامات الموسيقية العربية (كالنهاوند، البياتي، الراست) بألوان محددة في المجموعة، مستندة إلى الارتباطات العاطفية والثقافية العميقة لكل مقام. فالنهاوند الدافئ تجسد بألوان ترابية عميقة، بينما البياتي الأكثر حزناً ظهر بدرجات من الأزرق الداكن والبنفسجي.

الصمت كفراغ: أدركت روّان

أهمية المساحات السلبية في الموسيقى (الصمت) وقامت بترجمتها إلى قطع تصميمية تستخدم الفراغ بذكاء، كالقطع الواسعة ذات الخطوط النظيفة أو التفاصيل الدقيقة في مساحات محددة فقط.

الموضة كلحن بصري: تحولت القطع في "وترًا" إلى أدوات تعبير موسيقية:

العباءة كآلة وترية: لم تكن العباءة مجرد غطاء تقليدي، بل تحولت إلى لوحة تعبيرية. إحدى التصاميم البارزة كانت عباءة مزينة بتطريزات تشبه أوتار العود أو القيثارة، وكأنها آلة موسيقية ترتديها المرأة.

التفاصيل كـ "آلات إيقاع": استُخدمت الخرزات المعدنية، السلاسل الدقيقة، والتطبيقات المجسمة التي تصدر صوتاً خفيفاً عند الحركة، محاكيةً صوت الصنوج أو الخشخيشات في الموسيقى، مما أضاف بُعداً سمعياً-بصرياً للإطلالة.

التركيب كتوزيع أوركسترالي: مثلما توزع الأدوار في الفرقة الموسيقية، تم تصميم القطع لتعمل معاً بتناغم. قطعة خارجية مهيبة (كعباءة) تتكامل مع قطعة داخلية مفصلة (كرداء) واكسسوارات دقيقة، كل منها يؤدي "دوره" في سيمفونية الأناقة.

"وترًا": أكثر من تعاون، هو بيان ثقافي

إعادة تعريف التراث: لم تقدم روّان استعادة حرفية للماضي، بل حواراً نقدياً معه. استخدمت عناصر كالعباءة والكوفية والتفصيلات التقليدية، لكنها أعادت صياغتها بمنظور موسيقي معاصر، مشيرة إلى أن التراث ليس جامداً بل مادة خصبة للحوار الإبداعي المستمر.

تمكين السرد النسائي: المجموعة، بروحها الموسيقية المرتبطة بسيرة روّان الفنية، تعمل كوسيلة لسرد قصة امرأة سعودية فنانة تعيد تعريف التعبير عن الذات. الأزياء هنا ليست زينة فقط، بل درعٌ ثقافي وأداة تواصل.

حرفية

محلية كـ "عازفين أساسيين": حرصت روّان على أن يكون تنفيذ المجموعة بالشراكة مع حرفيات وحرفيين سعوديين مهرة، خاصة في مجالات التطريز اليدوي الدقيق والنسج. هذا ليس مجرد توظيف، بل إعلاء لقيمة المهارة المحلية كجزء لا يتجزأ من النسيج الإبداعي للمشروع، مثل العازف المنفرد في المقطوعة.

الاستدامة كإيقاع متوازن: ظهرت في اختيارات الأقمشة (كالقطن العضوي، الكتان، والحرير المعاد تدويره) وفي عمليات التصنيع، تعكس وعياً بيئياً يتناغم مع الرسالة الثقافية الأعمق عن التوازن والاحترام.

لماذا "وترًا" فريد ولا يشبه التعاونات الأخرى؟

العمق التحليلي مقابل الإلهام السطحي: معظم تعاونات الموسيقى/الموضة تكتفي باستخدام "شعارات" أو "ألوان الفنان". "وترًا" يغوص في تشريح اللغة الموسيقية نفسها ويبني لغة بصرية موازية لها.

التركيز على الموسيقى العربية والهوية: المشروع ليس عاماً أو غربياً التوجه. جذوره في المقامات العربية، الإيقاعات المحلية، وتجربة روّان كفنانة سعودية، مما يمنحه أصالة وخصوصية ثقافية نادرة.

روّان كمبدعة شاملة: روّان ليست مجرد "وجه" أو "مصدر إلهام". كانت شريكة إبداعية فاعلة في كل مرحلة، من التصميم إلى اختيار المواد والإخراج الفني. رؤيتها الموسيقية هي العمود الفقري للمشروع بكل أبعاده.

البُعد التفاعلي: قدم المشروع تجارب متعددة الحواس. معرض الإطلاق تضمن عزفاً حياً لروّان بينما عروض الأزياء كانت مصممة لتتفاعل حركة القطع مع الإضاءة والصوت، مما خلق لحظات أداء فريدة حيث الموسيقى والموضة في حوار مباشر أمام الجمهور.

الرسالة فوق المنتج: بينما تنتج قطعاً راقية،

فإن القيمة الأكبر لـ"وترًا" تكمن في البيان الثقافي والفلسفي الذي يحمله عن انسيابية الإبداع وترابط الفنون كوسائل للتعبير عن الهوية المعاصرة في السعودية.

الصدى والتأثير: نغمات تتجاوز منصة العرض

رفع سقف التعاونات الإبداعية: يضع "وترًا" معياراً جديداً للتعاون بين المجالات في المنطقة، مشجعاً فنانين ومصممين على البحث عن عمق وتكامل أكبر في مشاريعهم المشتركة، وليس فقط الجانب التسويقي.

توسيع مفهوم الأزياء السعودية: يقدم نموذجاً للأزياء كوسيط ثقافي قادر على حمل رموز معقدة وسرد قصص شخصية وجماعية، بعيداً عن النمطية أو التوجه التجاري الصرف.

حوار عالمي من جذور محلية: يقدم للعالم نموذجاً ثرياً لكيفية مزج التراث المحلي (الموسيقي واللباسي) بفلسفة معاصرة، ليخلق تعبيراً فنياً عالمياً ومرتبطاً بالمكان في آن واحد.

إلهام جيل جديد: يظهر للشباب السعودي المبدع إمكانية تذويب الحدود بين تخصصاتهم الفنية وخلق مسارات تعبيرية هجينة وجريئة.

الخاتمة: نسيج إبداعي لا ينقطع

"وترًا" لـ روّان بن حسين هو أكثر من مجرد تعاون ناجح بين موسيقى وموضة؛ إنه تأمل بصري-سمعي في طبيعة الإبداع نفسه. إنه إثبات أن الوتر الموسيقي وخيط التطريز يمكن أن ينبعثا من نفس النبض الإبداعي، وأن العباءة يمكن أن تكون لوحة سمعية، والنوتة الموسيقية يمكن أن تتحول إلى نقش مرئي. في هذا المشروع، تذوب الحدود المصطنعة بين الفنون، ليكشف عن نسيج إبداعي واحد متصل، حيث يغذي كل شكل فني الآخر، ويخلق لغة جديدة للتعبير عن ثراء الثقافة السعودية وروح فنانتها التي لا تتوقف عن البحث عن أوتار جديدة تعزف عليها

قصتها. "وترًا" ليس نقطة نهاية، بل افتتاحية لحوار إبداعي طويل، يردد صداه في كل قطعة تنسجها أنامل حرفي، وكل نغمة تطلقها أصابع فنان.

تم نسخ الرابط