توقعات بانتعاش قوي للاستثمار العقاري عالميًا في 2025 بقيمة 952 مليار دولار

لمحة نيوز

بعد عدة سنوات من التقلبات والتحديات التي شهدتها أسواق العقار العالمية، تشير التوقعات الصادرة عن مؤسسات بحثية رائدة إلى انتعاش قوي في الاستثمار العقاري عالميًا خلال عام 2025، حيث يُتوقع أن يبلغ حجم التداول الاستثماري نحو 952 مليار دولار أمريكي. يأتي هذا الرقم بعد تراجع ملحوظ شهدته الأسواق في عام 2023 وتوقعات بتحسن تدريجي في 2024، وصولًا إلى انتعاشة أكثر وضوحًا في 2025. تعكس هذه التوقعات تلاشي العوامل الدورية السلبية التي أثرت على قيم الأصول العقارية وأنشطة المعاملات خلال السنوات السابقة، بالإضافة إلى دلالات إيجابية بشأن عودة السيولة والرغبة في الاستثمار بعد انحسار الضغوط التضخمية النسبية واقتراب بعض البنوك المركزية من بداية دورة تخفيض تدريجي لأسعار الفائدة في مناطق عدة حول العالم.

العوامل الدافعة للانتعاش

أولًا، يشكل تراجع الضغوط التضخمية وبدء التحضير لدورات تخفيض معدلات الفائدة عاملاً رئيسيًا يعزز الثقة لدى المستثمرين العقاريين. فعلى الرغم من أن مستويات الفائدة المرتفعة في بداية العقد الحالي أدت إلى تراجع قيم الأصول وزيادة تكلفة التمويل، إلا أن الاستقرار المتوقع في سياسة البنوك المركزية والتوقعات بخفض أسعار الفائدة تدريجيًّا يفتح المجال أمام تحسن العوائد المحتملة وزيادة الطلب على الأصول ذات الدخل الثابت مثل العقارات المؤجَّرة. ثانيًا، يوجد “الطلب المكبوت” الناتج عن التردد الذي ساد خلال فترات عدم اليقين (مثل جائحة كوفيد-19 وفترة تشديد السياسة النقدية)، حيث ينتظر العديد من المستثمرين لحين وضوح الصورة الاقتصادية قبل ضخ رأس المال. ومع بوادر الاستقرار، من المتوقع أن يتحول هذا الطلب إلى نشاط فعلي يساهم في رفع أحجام التداول. ثالثًا، تمثّل النظرة طويلة الأجل لدى المؤسسات المالية وصناديق الثروة السيادية عامل جذب إضافي؛ إذ يبحث عدد متزايد من هذه المؤسسات عن تنويع محافظها بعيدًا عن

الأسهم والسندات التقليدية، والعقار يوفر حماية جزئية ضد التضخم وتدفقات نقدية مستقرة عبر عقود الإيجار طويلة الأجل.

التحليل الإقليمي

أمريكا الشمالية: يُتوقع أن تكون الأسواق الأمريكية سوقًا محوريًّا في مسار الانتعاش بفضل الرغبة المتزايدة في الأصول ذات التدفقات الثابتة بعد فترة عدم استقرار، خصوصًا في قطاعات مثل المكاتب المرنة والمرافق اللوجستية والمعادن الرقمية (مرافق مراكز البيانات). وتظل الولايات المتحدة جاذبة للمستثمرين الأجانب بفضل التنوع الاقتصادي والبيئة القانونية المستقرة.

أوروبا: مع بروز إشارات على استقرار أسعار الفائدة في منطقة اليورو وانتعاش النشاط الاقتصادي المتعلق بالتصدير، يتوقع المستثمرون الأوروبيون والعالميون أن يشهد قطاع العقارات الصناعية واللوجيستية نموًّا ملحوظًا. كما يستمر الاهتمام بالعقارات السكنية في المدن الكبرى بسبب نقص المعروض وهيمنة مدن مثل لندن وباريس وبرلين على قائمة الأسواق الجاذبة.

آسيا والمحيط الهادئ: من المرجح أن تستفيد الأسواق الآسيوية من التعافي في حركة التجارة العالمية وزيادة الطلب على المرافق اللوجستية، بالإضافة إلى استمرار النمو السكاني والتحضر. كما تشهد بعض الأسواق مثل سنغافورة وهونغ كونغ طابعًا جاذبًا للاستثمار بسبب بيئات تنظيمية واضحة، رغم أن بعض الأسواق النامية قد تواجه تقلبات مرتبطة بالسياسات المحلية أو الضغوط الجيوسياسية.

القطاعات الواعدة

المكاتب والبنية التحتية المرنة: شهدت مكاتب المكاتب التقليدية تراجعًا جزئيًا مع ظهور توجهات العمل عن بعد والهجين، لكن الطلب على مساحات العمل المرنة (co-working) قد يشهد انتعاشًا جزئيًا مع تحسن نمو الشركات وعودة جزء من القوى العاملة إلى المكاتب. كما ترتفع أهمية البنية التحتية التقنية والمراكز الرقمية (Data Centers) نتيجة لازدهار الخدمات الرقمية والذكاء الاصطناعي.

العقارات الصناعية واللوجستية:

تفوقت هذه الفئة على غيرها خلال الجائحة وستستمر في جذب الاستثمارات مع نمو التجارة الإلكترونية والحاجة إلى شبكات توزيع فعّالة.

السكن: يظل الطلب على الوحدات السكنية قويًا، خاصة في المدن الكبرى التي تشهد نقصًا في المعروض. كما يأخذ المستثمرون في الاعتبار متطلبات الجيل الأصغر (Generation Z) والقوى العاملة المهاجرة التي تبحث عن سكن مرن وقريب من الخدمات.

التجزئة المتحول رقميًّا: في حين تراجع البعض من مراكز التسوق التقليدية، يظهر توجه للاستثمار في مراكز التجزئة التي تتجاوز البيع بالتجزئة لتشمل التجارب (المطاعم، الترفيه) والتكامل مع المنصات الرقمية.

العقارات البديلة: مثل الإسكان الطلابي والعجزة والرعاية الصحية والمساحات المختلطة (mixed-use) تجذب جزءًا من رؤوس الأموال بحثًا عن تنويع وتقليل المخاطر ودعم بالطلب الديموغرافي طويل الأجل.

المخاطر والتحديات

رغم التفاؤل، ينبغي الانتباه إلى عدة مخاطر:

التضخم المستمر والجيوسياسة: إذا تواصل التضخم عند مستويات عالية مفاجئة، قد تتأخر دورة تخفيض الفائدة أو تُلغى، مما يعيد ضغوط التمويل. كما يمكن أن تؤدي التوترات الجيوسياسية إلى اضطرابات في سلاسل التوريد أو التقليل من انسياب رؤوس الأموال عبر الحدود.

التغيرات في سلوك المستأجرين: التحول المستمر نحو العمل عن بعد أو تغيّر أنماط الاستهلاك قد يبطئ انتعاش بعض فئات الأصول التقليدية كالمكاتب عالية التكلفة أو مساحات التجزئة غير القابلة للتكيف.

التمويل ومدى التحوط ضد المخاطر: رغم توافر السيولة، قد تفرض البنوك ومتطلبات رأس المال مزيدًا من الشروط الصارمة على عمليات التمويل العقاري، مما يزيد تكاليف الصفقة ويقلل من جاذبية بعض الصفقات.

الاستدامة والمتطلبات البيئية: يزداد الضغط الأخضر على المطورين والملاك لتحسين كفاءة الطاقة وتقليل الانبعاثات. قد يترتب على ذلك استثمارات إضافية لتحويل الأصول القائمة

أو الاستحواذ على أصول مستدامة، مما يؤثر على العوائد المتوقعة إذا لم تُخطط بشكل صحيح.

توصيات للمستثمرين

تنويع المحفظة: الموازنة بين الأسواق الناضجة والناشئة، والقطاعات المختلفة (مكاتب، لوجستيات، سكن، بدائل) لتقليل التعرض لتقلبات قطاع واحد.

التركيز على الجودة والمرونة: الاستثمار في أصول عالية الجودة تقع في مواقع مركزية أو ذات إمكانات نمو مستقبلي، مع القدرة على التكيف (مثلاً تحويل بعض المساحات عند الحاجة).

الاعتماد على البيانات والتحليلات: استخدام أدوات التحليل المتقدمة للتنبؤ بالطلب وتقييم المخاطر، خصوصًا مع زيادة التعقيد في سلوك المستأجرين والظروف الاقتصادية.

الاستدامة والمسؤولية البيئية: تضمين معايير ESG (البيئية والاجتماعية والحوكمة) في عملية اتخاذ القرار، والاستثمار في العقارات الصديقة للبيئة لجذب المستثمرين والمستأجرين وللتماشي مع التشريعات المتزايدة.

الاستعداد للسيناريوهات البديلة: وضع خطط طوارئ للتعامل مع احتمالات مثل إعادة تشديد السياسة النقدية أو زيادة المفاجئة في التضخم أو تغييرات جيوسياسية مفاجئة، مع مراقبة مستمرة للمؤشرات الاقتصادية العالمية والإقليمية.

خاتمة

في ضوء توقعات كبرى المؤسسات البحثية مثل Savills التي تتنبأ بارتفاع حجم الاستثمار العقاري العالمي إلى نحو 952 مليار دولار في 2025، يُمكن القول إن السوق العالمي على أعتاب انتعاش مهم بعد فترة من التباطؤ والضغوط التمويلية. ومع ذلك، يتطلب تحقيق الاستفادة القصوى من هذا الانتعاش فهماً دقيقاً للتغيرات الهيكلية في الاقتصاد العالمي وسلوك المستأجرين، وتطبيق استراتيجيات استثمارية مرنة ومستدامة. إذا نجح المستثمرون في التنويع والتركيز على جودة الأصول والتكيف مع المتطلبات البيئية والتكنولوجية، فقد يشهدون عوائد مغرية، مع الإشارة إلى أن عام 2026 قد يشهد بدوره تخطي علامة الاستثمار العقاري العالمي حاجز التريليون

دولار لأول مرة منذ 2022، ما يعكس استمرار زخم الانتعاش والنمو في هذا القطاع الحيوي.

تم نسخ الرابط