عودة المستثمرين الأجانب للأسواق العربية بعد استقرار الأوضاع السياسية

لمحة نيوز

عودة المستثمرين الأجانب للأسواق العربية: ثقة تتجدد بعد العواصف

في أحد مقاهي بيروت المطلة على البحر، جلس رجل الأعمال الفرنسي "جان بيير لوران" يتصفح تقارير السوق اللبنانية. قال مبتسمًا للنادل: "قبل عامين، لم أكن لأفكر في الاستثمار هنا، أما الآن، فالوضع مختلف تمامًا".

خلفية تاريخية: سنوات من التردد والقلق

شهدت الأسواق العربية خلال العقد الماضي تقلبات حادة نتيجة الاضطرابات السياسية التي اجتاحت المنطقة منذ عام 2011. فقد تراجعت الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة تجاوزت 35% في بعض الدول، مثل مصر وسوريا واليمن، نتيجة عدم الاستقرار الأمني والتشريعي. حتى الدول الخليجية، رغم استقرارها النسبي، تأثرت بتقلبات أسعار النفط وتوترات إقليمية متكررة.

لكن مع بداية عام 2024، بدأت مؤشرات الاستقرار السياسي تتضح في عدد من الدول العربية، مدفوعة باتفاقيات سلام إقليمية، وانتخابات ديمقراطية، وإصلاحات اقتصادية جريئة، ما أعاد رسم خريطة الثقة لدى المستثمرين الأجانب.

مؤشرات الانتعاش: أرقام تتحدث

وفقًا لتقرير المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات، ارتفعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الدول العربية بنسبة

28% في عام 2024 مقارنة بالعام السابق، لتصل إلى نحو 53 مليار دولار. وتصدرت الإمارات والسعودية ومصر قائمة الدول المستقبلة للاستثمارات، بينما شهدت أسواق مثل المغرب والأردن وتونس انتعاشًا ملحوظًا في قطاعات التكنولوجيا والطاقة المتجددة والسياحة.

في بورصة أبوظبي، ارتفع المؤشر العام بنسبة 2.2% في يونيو 2025، مغلقًا عند 9584 نقطة، ما يعكس عودة الثقة تدريجيًا. أما سوق دبي المالي، فقد شهد ارتدادات إيجابية بعد تراجعات سابقة، مع عودة القوى الشرائية واستيعاب المستثمرين للوضع السياسي المستقر نسبيًا1.

شهادات من الميدان: المستثمرون يتحدثون

يقول "أليساندرو روسي"، مدير صندوق استثماري إيطالي: "كنا نراقب السوق المصرية منذ سنوات، لكننا كنا مترددين بسبب التقلبات. الآن، بعد الإصلاحات الأخيرة واستقرار سعر الصرف، قررنا الدخول في قطاع البنية التحتية".

أما رانيا عبد الله، مديرة شركة ناشئة في الأردن، فتقول: "عودة المستثمرين الأجانب أعادت الحياة إلى بيئة ريادة الأعمال. حصلنا على تمويل من صندوق ألماني، وهو ما لم يكن ممكنًا قبل عامين".

السياسة والاقتصاد: علاقة لا تنفصم

لا يمكن فصل عودة الاستثمارات عن التحولات السياسية في

المنطقة. فالاتفاقيات الإقليمية، مثل اتفاقيات التطبيع، وتراجع حدة النزاعات المسلحة، ساهمت في خلق بيئة أكثر جذبًا لرؤوس الأموال. كما أن الإصلاحات الاقتصادية، مثل تحرير أسعار الصرف، وتحديث قوانين الاستثمار، لعبت دورًا محوريًا في تحسين مناخ الأعمال.

في هذا السياق، يشير تقرير صادر عن "أرقام" إلى أن الأسواق المالية غالبًا ما تستجيب بشكل إيجابي لانقشاع الأزمات السياسية، حيث تظهر موجات صعود قوية تعوّض الخسائر السابقة.

آراء الخبراء: تفاؤل مشوب بالحذر

يرى الدكتور فؤاد العلي، أستاذ الاقتصاد السياسي بجامعة الكويت، أن "عودة المستثمرين الأجانب مؤشر إيجابي، لكنها لا تعني بالضرورة استدامة النمو. المطلوب هو تعزيز الشفافية، وتطوير البنية التحتية القانونية، وضمان استقلالية القضاء".

من جهته، يؤكد الخبير المالي باسم أبو غنيمة أن "الأسواق العربية أظهرت تماسُكًا نسبيًا رغم الضغوط الجيوسياسية، لكن استمرار هذا الزخم يتطلب مراقبة دقيقة للتطورات الإقليمية، خاصة في ظل الحرب الإسرائيلية الإيرانية الأخيرة".

وجهات نظر متباينة: بين التفاؤل والتحفظ

بينما يرى البعض أن عودة الاستثمارات تعكس نضجًا سياسيًا واقتصاديًا في المنطقة،

يحذر آخرون من الإفراط في التفاؤل. فبعض الدول لا تزال تعاني من هشاشة مؤسساتية، وغياب الشفافية، ما قد يحد من استدامة هذه العودة.

ويشير تقرير نشرته "الميادين" إلى أن الاستثمارات الأجنبية في الدول العربية لا تزال تتأثر بشكل مباشر بالعلاقات السياسية، وأن واشنطن وأوروبا الغربية تظلّان المستثمر الأكبر في المنطقة، ما يعكس ارتباطًا وثيقًا بين السياسة والاقتصاد.

توصيات وخاتمة: كيف نحافظ على الزخم؟

في ضوء ما سبق، يمكن تلخيص أبرز النقاط في ما يلي:

عودة الاستثمارات الأجنبية مؤشر إيجابي على تحسن المناخ السياسي والاقتصادي.

الاستقرار السياسي شرط أساسي لاستدامة النمو وجذب رؤوس الأموال.

الإصلاحات القانونية والمؤسسية ضرورية لتعزيز الثقة طويلة الأمد.

ويبقى السؤال: هل ستنجح الدول العربية في تحويل هذا الزخم إلى مسار تنموي مستدام؟ أم أن هذه العودة ستظل رهينة التحولات السياسية؟ الإجابة مرهونة بقدرة الحكومات على مواصلة الإصلاح، وتعزيز الشفافية، وبناء شراكات استراتيجية مع المستثمرين.

في النهاية، قد يكون "جان بيير" في بيروت مجرد مستثمر واحد، لكن قصته تعكس تحوّلًا أوسع في نظرة العالم إلى الأسواق العربية. فهل تكون

هذه العودة بداية جديدة، أم مجرد استراحة قصيرة في طريق طويل؟

تم نسخ الرابط