تحليل: هل يستمر زخم الطروحات في السوق السعودية؟

لمحة نيوز

تحليل: هل يستمر زخم الطروحات في السوق السعودية؟

"في عام 2024 وحده، شهدت السوق المالية السعودية تنفيذ أكثر من 43 طرحًا عامًا أوليًا، لتستحوذ على نحو 75% من إجمالي الطروحات في المنطقة العربية". فهل هذا الزخم الاستثنائي قابل للاستمرار، أم أنه مجرد فورة مؤقتة في ظل ظروف اقتصادية متقلبة؟

السوق السعودية: من الهامش إلى الصدارة

لم تكن السوق المالية السعودية دائمًا في صدارة المشهد الإقليمي والعالمي. حتى عام 2015، كانت الطروحات الأولية محدودة، وغالبًا ما تقتصر على شركات محلية ذات طابع تقليدي. لكن مع إطلاق رؤية السعودية 2030، تغيّر المشهد جذريًا. أصبحت السوق المالية أحد المحاور الرئيسة لتنويع الاقتصاد، وجذب الاستثمارات، وتقليل الاعتماد على النفط.

في عام 2019، شكّل طرح شركة أرامكو نقطة تحول تاريخية، حيث جمع أكثر من 25 مليار دولار، ليصبح الأكبر عالميًا آنذاك. ومنذ ذلك الحين، تسارعت وتيرة الإدراجات، مدفوعة بإصلاحات تنظيمية، وتحديثات تقنية، وتوجه حكومي واضح نحو تعميق السوق.

زخم الطروحات في 2024: مؤشرات لا يمكن تجاهلها

في عام 2024، ووفقًا لبيانات صادرة عن "تداول السعودية"، شهدت السوق المحلية نشاطًا لافتًا تمثل في إدراج 43 كيانًا جديدًا، توزّعوا بين 15 إدراجًا في السوق الرئيسية و28 في السوق الموازية "نمو". وقد بلغت القيمة الإجمالية

للأموال المجتذبة من هذه الطروحات ما يقارب 15.2 مليار ريال سعودي، في حين تجاوزت القيمة السوقية للشركات المدرجة حديثًا عتبة 52.6 مليار ريال، ما يعكس حيوية السوق وقوة الجاذبية الاستثمارية للمملكة.

ومن بين هذه الإدراجات، برزت شركة فقيه للرعاية الصحية التي نجحت في جمع 763.5 مليون دولار أمريكي، لتتصدر قائمة أكبر الطروحات من حيث القيمة. كذلك، خطت شركة طيران ناس خطوة استراتيجية بطرح 30% من أسهمها للتداول، ما منحها تقييمًا سوقيًا بلغ نحو 13.7 مليار ريال، مؤكدة بذلك مكانتها بين أبرز اللاعبين في قطاع الطيران المحلي.

شركة أم القرى للتنمية والإعمار (مسار): إدراج ناجح بقيمة 2 مليار ريال.

هذه الأرقام لم تمر مرور الكرام على المستثمرين الدوليين، إذ احتلت السوق السعودية المرتبة السابعة عالميًا من حيث حصيلة الطروحات الأولية في 2024، متقدمة على بورصات عريقة.

ما وراء الأرقام: لماذا هذا الزخم؟

1. رؤية 2030 كقاطرة للإصلاح

تسعى المملكة من خلال رؤية 2030 إلى تحويل السوق المالية إلى مركز إقليمي وعالمي. وقد أطلقت هيئة السوق المالية عدة مبادرات لتسهيل الإدراج، منها تقليص مدة الموافقة على الطرح، وتوسيع نطاق السوق الموازية "نمو"، وتحديث البنية التحتية الرقمية.

2. وفرة السيولة وثقة المستثمرين

تشير بيانات "تداول" إلى أن قيمة التداول

في السوق السعودية بلغت 1.86 تريليون ريال في 2024، بزيادة تقارب 40% عن العام السابق. كما تجاوزت نسبة تغطية بعض الاكتتابات 1000%، ما يعكس شهية قوية من المستثمرين الأفراد والمؤسسات.

3. تنوع القطاعات

لم تعد الطروحات مقتصرة على البنوك والطاقة. بل شملت قطاعات مثل:

الرعاية الصحية (فقيه، الطبية التخصصية)

الطيران (طيران ناس)

الخدمات المالية (دراية المالية)

الأغذية (إنتاج)

التكنولوجيا (إجادة)

هذا التنوع يعزز من جاذبية السوق ويقلل من المخاطر القطاعية.

تحديات في الأفق: هل يستمر الزخم؟

رغم المؤشرات الإيجابية، يواجه السوق السعودي تحديات قد تؤثر على استمرارية الزخم:

1. التقلبات الجيوسياسية والاقتصادية

شهدت الأشهر الأولى من 2025 تباطؤًا نسبيًا في وتيرة الطروحات، نتيجة انخفاض مؤشر "تاسي" بنسبة 7%، وتصاعد التوترات الإقليمية. كما أن ارتفاع أسعار الفائدة عالميًا قد يؤثر على شهية المستثمرين.

2. تشبع السيولة

مع تزايد عدد الطروحات، قد تواجه السوق خطر "تشتيت السيولة"، ما يؤدي إلى أداء متباين للأسهم المدرجة حديثًا. على سبيل المثال، تراجع سهم "إنتاج" بعد الإدراج، بينما قفز سهم "أم القرى" بأكثر من 40%.

3. تقييمات مرتفعة

يشير بعض المحللين إلى أن تقييمات بعض الشركات المطروحة قد تكون مبالغًا فيها، ما قد يؤدي إلى تصحيحات سعرية لاحقة.

شهادات
من قلب السوق

محمد الميموني، مستشار مالي في شركة "المتداول العربي"، يرى أن "الطروحات المتعددة تعزز من عمق السوق، لكنها قد تؤدي إلى سحب السيولة مؤقتًا، خاصة في ظل التوترات العالمية".

أما وضاح الطه، عضو المجلس الاستشاري الوطني في معهد "تشارترد"، فيؤكد أن "الإدراجات الأولية ليست مجرد أرقام، بل ركيزة لتحقيق النمو المستدام وجذب الاستثمارات طويلة الأجل".

وفي قصة واقعية، تحدث أحد المستثمرين الأفراد، عبدالعزيز (34 عامًا)، عن تجربته في اكتتاب "فقيه"، قائلاً: "رأيت في القطاع الصحي فرصة طويلة الأمد، وكنت محظوظًا بالحصول على تخصيص جيد. السهم ارتفع بعد الإدراج، لكني أحتفظ به كاستثمار استراتيجي".

إلى أين تتجه البوصلة؟

مع وجود أكثر من 50 طلب إدراج قيد المراجعة لدى هيئة السوق المالية، يبدو أن الزخم سيستمر على المدى القصير. لكن استمراريته على المدى الطويل ستعتمد على عوامل عدة، منها:

استقرار الأسواق العالمية

استمرار الإصلاحات المحلية

قدرة الشركات على تحقيق نمو مستدام بعد الإدراج

خاتمة: بين الطموح والواقع

الزخم الحالي في السوق السعودية ليس وليد الصدفة، بل نتيجة تخطيط استراتيجي ورؤية واضحة. لكن الحفاظ عليه يتطلب توازنًا دقيقًا بين الطموح والواقعية، وبين جذب المستثمرين وضمان جودة الطروحات.

فهل تنجح الرياض في تحويل سوقها المالية إلى "وول

ستريت الشرق الأوسط"؟ أم أن التحديات المقبلة ستفرض إيقاعًا أكثر حذرًا؟ سؤال مفتوح، إجابته مرهونة بما ستكشفه الأشهر القادمة.

تم نسخ الرابط