المدن الثقافية الصاعدة: مظاهر تجلي الهوية المحلية في مهرجانات جديدة

لمحة نيوز

هوية تنبض بالحياة في المدن الناشئة

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في 2025، لم تعد المدن الكبرى وحدها مركز الثقل الثقافي. فقد بدأت مدن صغيرة ومتوسطة في العالم العربي وشرقي أوروبا وآسيا الوسطى في إبراز نفسها كمراكز جديدة للإبداع الثقافي، عبر مهرجانات نوعية تكرّس خصوصية الهوية المحلية وتمنح المجتمعات صوتًا جديدًا يتجاوز الفولكلور الاستهلاكي، ويعيد تعريف معنى الثقافة الحية. هذه المدن، التي غالبًا ما كانت تُرى كمجرد نقاط عبور أو فضاءات هامشية، بدأت الآن ترسم خريطة جديدة للثقافة، عبر مبادرات مبتكرة ومهرجانات متجددة تُعبّر عن الذات الجماعية، وتستقطب جمهورًا محليًا وعالميًا متعطشًا للتجربة الأصيلة.

من الجذور إلى المستقبل: مهرجانات تحمل روح المكان

من أبرز الأمثلة على هذه النهضة مهرجان "جذور" الذي انطلق في مدينة الكاف شمال غربي تونس، مطلع ربيع 2025. المهرجان مزج بين عروض مسرحية من التراث الشفهي البربري، والموسيقى التقليدية

المستوحاة من نوبات المالوف، مع ورش عمل لفن الخطّ العربي وفعاليات طهي الأكلات الشعبية. الجمال هنا ليس في الطابع الفلكلوري، بل في إعادة تقديم التراث كعنصر متفاعل مع الحاضر، وليس كمجرد عرض تراثي ميت.

في الأردن، نظّمت "الشونة الشمالية" مهرجانًا فنّيًا ريفيًا يُعد الأول من نوعه في المنطقة، حيث استُخدمت البيوت الطينية والمزارع المفتوحة كفضاءات للعروض الفنية، بما في ذلك حكايات الجدات، والرقصات الفلّاحية، والحرف اليدوية. المهرجان جذب عائلات من عمان وإربد، وعزز الاقتصاد المحلي عبر دعم المنتجات التقليدية.

أما في مدينة توزلا بالبوسنة، فقد تحوّل مهرجان "نهر الكلمات" إلى مختبر أدبي وفني متعدّد اللغات، استضاف كتّابًا من البلقان والعالم العربي، إلى جانب عروض موسيقية صوفية على ضفاف نهر يانتسا، حيث التقت القصيدة بالموسيقى، والتاريخ بالحداثة.

الهوية ليست شعارًا بل ممارسة يومية

تؤكّد هذه التجارب أن الهوية المحلية ليست مجرّد شعار أو ديكور يُستعرض

في المناسبات، بل ممارسة ثقافية يومية، تُعبَّر عنها من خلال الطعام، اللباس، الأغنية، وحتى طريقة التفاعل مع الحيز العام. وقد ظهر ذلك جليًا في تصميم الفعاليات، حيث شارك السكان في التنظيم، وافتُتحت بيوتهم لاستضافة الزوار، وتم دمج الأسواق الشعبية ضمن برامج المهرجانات.

بين الدعم المؤسسي والمبادرة الذاتية

رغم هذا الزخم، لا تزال هذه المشاريع الثقافية تواجه تحديات حقيقية تتعلق بالتمويل، وغياب البنية التحتية في بعض المناطق، وصعوبة الاستمرار دون دعم مؤسسي مستدام. ومع ذلك، بدأت مدن مثل جبيل في لبنان وسيدي بوسعيد في تونس بتطوير نماذج شراكة بين البلديات والقطاع الخاص، تضمن ديمومة المهرجانات وتنميتها عامًا بعد عام. كما أطلقت وزارة الثقافة المغربية، بالتعاون مع اليونسكو، برنامجًا لدعم المهرجانات المحلية الناشئة، يشمل التدريب والتمويل والترويج الإعلامي.

السياحة الثقافية: رافعة اقتصادية واجتماعية

وفق تقرير صدر عن "المجلس العربي للسياحة"

في يونيو 2025، فإن الطلب على وجهات "السياحة الثقافية الأصيلة" ارتفع بنسبة 23% مقارنة بالعام الماضي، خاصة في فئة الشباب والمهتمين بالبيئة والمجتمعات المحلية. وأشار التقرير إلى أن السياحة لم تعد فقط بحثًا عن الترفيه، بل تجربة معرفية وروحية تعيد للإنسان علاقته بالأرض والتاريخ.

نحو نموذج حضري بديل

في ظل التحديات الحضرية الكبرى من تضخم سكاني واختناق بيئي، يبدو أن هذه المدن الثقافية الصاعدة تُقدّم نموذجًا بديلًا للمركزية، إذ تعيد تعريف الفضاء العام بوصفه مساحة للذاكرة والتعبير والاحتفاء بالحياة. فهل يكون مستقبل الثقافة أكثر توازنًا وتنوعًا بفضل هذه المبادرات؟ وهل نستطيع تخيّل خريطة ثقافية عالمية أكثر عدالة، تحتل فيها المدن الصغيرة دورًا محوريًا لا يقل أهمية عن العواصم؟

إن استمرار هذه الديناميكية، ونجاحها في تثبيت حضورها على المدى الطويل، سيعيد رسم الجغرافيا الثقافية للعالم، ويثبت أن الإبداع لا يحتاج إلى ناطحات سحاب، بل إلى نبض محلي

صادق، يستند إلى الذاكرة، ويتطلّع إلى الغد.

تم نسخ الرابط