تراجع المساحات الخضراء في الأمازون يهدد دورة الأمطار الإقليمية ويؤثر على الزراعة في أمريكا الجنوبية
ركود الغابة... تهديد للسحب والزراعة
تشير بيانات رسمية إلى أن الأمازون فقدت خلال مايو 2025 نحو 960 كم² من غاباته بزيادة قدرها 92% مقارنة بالعام السابق ما أثار قلقا عالميا بشأن تأثير انعكاسات إزالة الغابات على نمط هطول الأمطار والإنتاج الزراعي في أمريكا الجنوبية.
هذا التراجع لا يمس فقط التنوّع البيولوجي، بل يطال ما يُعرف بـ"الأنهار الجوية"، تلك التي تنقل بخار الماء من الغابة إلى محيطها، ما يؤدي لانخفاض ملموس في معدلات المطر وتمدد الفصول الجافة.
الأثر الحتمي: هل تنخفض الأمطار فعلاً؟
وفقًا لدراسة نُشرت مؤخرًا، يؤدي فقدان 3.2% فقط من غطاء الأمازون في الفترة 2002–2015 إلى انخفاض 5.4% في هطول الأمطار، جراء تقلص معدل التبخر والنقل الجوي للرطوبة. كما أوضح تحليل في Nature أن إزالة الغابات تزيد الأمطار خلال الموسم الرطب لكنها تقللها بحدة خلال الموسم الجاف، خاصة على مسافة تتجاوز 60 كلم من مناطق القطع.
هذا التفاوت الموسمي يؤدي إلى مزيد من الجفاف في أعماق القارة، وهو ما ينعكس في انخفاض الرطوبة
الزراعة معرضة للخطر... أمكار الأعاصير
تشكّل الزراعة المطرية ركيزة اقتصادية في أرجاء مثل ماتو غروسو بالبرازيل ووسط الأرجنتين، وتعتمد على وصول ما يقرب من 50% من الرطوبة عبر الأنظمة الجوية المتولدة من الأمازون.
ومع نقص المطر، باتت المحاصيل مثل الصويا والقمح مهددة بنسبة انخفاض محتملة تزيد عن 40% في الإنتاج، إلى جانب نقص الري والطاقة الكهرمائية، وارتفاع أسعار الغذاء محليًا.
مؤشرات قريبة من نقطة التحول
يوضح عالم المناخ كارلوس نوبري أن إزالة نحو 18% من الغابات وارتفاع الحرارة العالمية لحدود 1.5 °C تدفعنا باتجاه نقطة تحول بيئي قد تحوّل الأمازون إلى سافانا.
التاريخ يشير إلى أن الفصول الجافة في الأجزاء الأمازونية طالت أسبوعًا لكل عقد مضى، مما ينذر بفقدان تدريجي للقدرة على إعادة تدوير المياه، وانهيار النظام الطبيعي لرطوبة المنطقة.
توازنات طبيعية… لكن غير كافية
قد يبدو وجود "تعويض مؤقت" من خلال ارتباط ضعف الدورة الأطلسية (AMOC) بزيادة أمطار خلال الجفاف في الأمازون
المعنيون يؤكدون أن مثل هذه التوازنات لا تحمل الحل، بل توضح هشاشة النظام الأيكولوجي واعتماد الزراعة والمجتمعات على مقدار ثابت من الرطوبة، والذي بات مهددًا.
إيجابيات محدودة... حلول ممكنة
الإجراءات الأخيرة في البرازيل عطّلت إزالة الغابات بنسبة 30% عام 2024، لكنها لا تزال غير كافية.
الحلول المستدامة مثل الزراعة الحراجية (agroforestry) أثبتت فاعليتها في استعادة التوازن البيئي وتثبيت التربة والمياه.
مبادرات دولية مثل "Tropical Forest Forever Facility" المزمع إطلاقها في COP30 نهاية 2025 تقدم إطارًا ماليًا لتشجيع حماية الغابات وتعويض المزارعين.
حقيقة مرّة: توازن اقتصادي بيئي دقيق
بالرغم من الضغوط الاقتصادية القائمة على التوسع الزراعي وتعدين الفحم والزراعة المكثفة، تشير تقديرات إلى خسارة تصل إلى 7.7 تريليون دولار من الخدمات البيئية في الأمازون خلال الثلاثين عامًا القادمة إذا
إن المعادلة تبدو واضحة: الحفاظ على الغابات يساوي استثمار طويل الأمد، بينما إخلال هذا الرصيد يؤدي إلى فقدان المياه والأمن الغذائي.
السيناريوهات المقبلة: الزراعة في مواجهة الجفاف
ما يقارب 60% من أراضي البرازيل شهدت جفافاً كارثياً من 2023 إلى أوائل 2025، الأمر الذي أوقف بعض محطات الطاقة المائية وأغرق آخرين في أزمة مياه تزيد خطورتها يومًا بعد يوم.
إذا لم تُعزز الحماية أو تُستبدل طرق الزراعة التقليدية، فقد تتهدّد المنطقة الشرقية والوسطى لمزارع أميركا الجنوبية بالإفلاس البيئي، ما يصنع أزمة غذائية واسعة.
أي خيارات أمامنا؟
يصطف مستقبل الأمازون كاختبار لما إذا كانت البشرية قادرة على الدمج بين النمو الاقتصادي والحفاظ على البيئة. فهل ستنجح القوة العالمية والإقليمية في استثمار الأدوات المالية والتشريعات لحماية هذه الرئة الحاسمة؟ وهل سنشهد بعد سنوات إنتاجاً زراعياً يفوق ما نمتلكه اليوم أم سنواجه شحًا تاريخيًا؟
في انتظار الجواب، تبقى الأمازون رمزًا لتقاطع المنافع الإنسانية