توثيق كشف مهمة على شبكة أنفاق تحت كوزكو تربط معبد الشمس بحصن Sacsayhuamán

لمحة نيوز

اكتشاف شبكة أنفاق غامضة تحت كوزكو: هل يكشف معبد الشمس أسراره القديمة؟

في تطور أثري مثير يعيد تسليط الضوء على أسرار حضارة الإنكا، كشف فريق من الباحثين مؤخرًا عن تفاصيل مهمة علمية جرت في منطقة كوزكو التاريخية، قادتهم إلى شبكة معقدة من الأنفاق القديمة يُعتقد أنها تربط بين معبد الشمس "كوريتشانكا" وحصن "ساكسايوايمان" الشهير. هذا الاكتشاف، الذي بدأ بتقارير أولية وأعمال مسح في العقود الماضية، يشكل اليوم موضوعًا ذا أهمية كبرى في الأوساط العلمية والأثرية، ويعيد إحياء النقاشات حول ما إذا كانت حضارة الإنكا قد استخدمت هذه الأنفاق في الطقوس أو كوسائل اتصال خفية بين مراكزهم المقدسة.

خلفية تاريخية: كوزكو ومكانتها المقدسة

كانت كوزكو عاصمة الإمبراطورية الإنكاوية، وتُعد من أهم المدن المقدسة في أمريكا الجنوبية. تقع المدينة في قلب جبال الأنديز، وتضم معالم تاريخية هامة، أبرزها معبد الشمس (كوريتشانكا)، الذي كان يُعتبر أكثر المعابد قدسية لدى الإنكا، وحصن ساكسايوايمان الذي يقع على تل مرتفع مطل على المدينة ويتميز ببنائه المعماري المذهل من الحجارة الضخمة التي تتشابك بدقة فنية.

على مر القرون، تكررت الأساطير بين

السكان المحليين والمستكشفين حول وجود ممرات سرية وأنفاق تحت الأرض تربط هذه المعالم ببعضها البعض، إلا أن غياب الأدلة الواضحة والمخاوف الأمنية المتعلقة بالحفريات في المناطق الحضرية حالت دون تأكيد هذه الروايات لعقود طويلة.

المهمة الأثرية: توثيق وإعادة فحص

في الأعوام الأخيرة، وبمشاركة خبراء من وزارة الثقافة البيروفية وعدد من الجامعات الدولية، تم إطلاق مهمة استكشافية جديدة ركّزت على فحص أساسات كوريتشانكا باستخدام تقنيات غير تدخّلية مثل الرادار المخترق للأرض (GPR). أشارت نتائج الفحص إلى وجود تجاويف وشبكات فراغية تحت الأرض.

المفاجأة كانت في أن أحد المسارات المكتشفة يمتد باتجاه تل ساكسايوايمان، ما يطابق الروايات التاريخية القديمة التي تحدثت عن "ممر تحت الأرض يستخدمه كهنة الإنكا للانتقال بسرية بين المعبد والحصن". وبعد مزيد من التحليل، تم تأكيد وجود فتحة تؤدي إلى نفق ضيق ضمن منطقة مغلقة حاليًا لأسباب تتعلق بالسلامة.

لغز الأنفاق: وظيفة دينية أم استراتيجية؟

الهدف من هذه الأنفاق لا يزال موضع جدل. تشير بعض الدراسات إلى أنها كانت تستخدم في الطقوس الدينية، حيث كان الكهنة يتنقلون بين المعابد دون أن يراهم

عامة الشعب، مما يعزز من هالتهم الروحية. بينما تذهب تفسيرات أخرى إلى أنها كانت وسيلة دفاعية واستراتيجية، تُستخدم لنقل الموارد أو الأفراد في أوقات الحصار أو الطوارئ.

كما ألمحت بعض النظريات إلى أن هذه الأنفاق قد تكون امتدادًا لنظام أوسع من البنية التحتية التحتية لحضارة الإنكا، التي كانت معروفة بتطورها العمراني والهندسي رغم عدم استخدامها للكتابة أو الأدوات الحديدية.

المخاطر والصعوبات

لم تكن عملية الاستكشاف خالية من التحديات. فقد واجه الفريق صعوبات تتعلق بسلامة الأنفاق، إذ أن بعض الأقسام منهارة أو مغمورة بالمياه. إضافة إلى ذلك، تقع أجزاء كبيرة من الشبكة تحت مبانٍ تاريخية أو حديثة، مما يجعل التنقيب المباشر أمرًا غير ممكن في بعض المناطق دون الإضرار بالبيئة الحضرية أو المواقع الأثرية المحمية.

ردود الأوساط العلمية

لاقى هذا الاكتشاف اهتمامًا واسعًا في المجتمع الأكاديمي العالمي. فقد نُشرت أوراق علمية ومداخلات في مؤتمرات أثرية تناولت أبعاد هذا الكشف من زوايا عدة، بعضها يتعلق بالجغرافيا الدينية للإنكا، وبعضها يركّز على تقنيات البناء القديمة التي مكنت الإنكا من إنشاء أنفاق تحت الأرض دون أن تنهار رغم

مرور قرون طويلة.

كما دعت بعض الجهات إلى إدراج منطقة الأنفاق ضمن قائمة مواقع التراث العالمي المعرضة للخطر، بهدف الحصول على دعم دولي لحمايتها وتأهيلها للبحث العلمي وربما السياحة الأثرية المستقبلية.

المستقبل: بين الحفاظ والكشف

لا تزال السلطات البيروفية حذرة بشأن فتح الموقع أمام العامة، لأسباب تتعلق بالسلامة العامة والحفاظ على التراث. ومع ذلك، تدرس الحكومة إمكانية التعاون مع منظمات دولية مثل اليونسكو ومعاهد بحثية لتمويل مشروع تنقيب متكامل وآمن، يهدف إلى الكشف الكامل عن شبكة الأنفاق دون إحداث ضرر بالبنية المعمارية لمدينة كوزكو القديمة.

وفي السياق ذاته، أطلق عدد من الباحثين دعوات لتوثيق شامل باستخدام تقنيات النمذجة ثلاثية الأبعاد والواقع الافتراضي، ما يتيح عرض تفاصيل هذا الاكتشاف للجمهور والطلاب والمهتمين دون الحاجة للدخول الفعلي إلى الأنفاق.

خاتمة

يبقى كشف شبكة الأنفاق تحت مدينة كوزكو أحد أبرز الاكتشافات الأثرية التي تؤكد عظمة حضارة الإنكا وتعقيد نظامها العمراني. وبينما تستمر الأبحاث لكشف المزيد من أسرار هذا العالم المطمور تحت الأرض، يفتح هذا الإنجاز نافذة جديدة لفهم البنية الروحية والهندسية

لإحدى أعظم حضارات ما قبل كولومبوس.

تم نسخ الرابط