جيل زد يختار الوجهات السياحية بناءً على الصور الجميلة والخلفيات المثالية للسيلفي بدلاً من التراث أو الثقافة العميقة

لمحة نيوز

جيل زد والسياحة البصرية: هل تتراجع القيم الثقافية أمام عدسة الكاميرا؟

في تحول لافت لأنماط السفر والسياحة العالمية، بات جيل "زد" يعتمد بشكل متزايد على المعايير البصرية والجمالية عند اختيار وجهاته السياحية، حيث أصبحت الصورة المثالية على تطبيقات مثل إنستغرام وتيك توك تتفوق أحيانًا على التراث الثقافي أو التاريخ العريق. وبحسب تقارير ودراسات متعددة، فإن "جمال اللقطة" بات عاملاً حاسمًا في تحديد مسار الرحلة، خصوصًا لدى الفئة العمرية ما بين 18 إلى 27 عامًا.

صورة السيلفي أهم من المتحف؟

أشارت دراسة أجرتها شركة Expedia Group في 2024 إلى أن أكثر من 60% من المسافرين من جيل زد يختارون وجهاتهم بناءً على مدى "إمكانيتها الفوتوغرافية"، أي مدى جمال الصور التي يمكن التقاطها فيها، وليس بالضرورة بناءً على ثقافتها أو تاريخها أو حتى طبيعتها الجغرافية. ويؤكد تقرير آخر صادر عن The Morning Consult أن ما يقارب 72% من هذه الفئة

تبحث عن "وجهات يمكن أن تثير الإعجاب على إنستغرام"، حتى قبل البحث عن معالمها السياحية أو فنادقها.

مناظر خلابة، لا تراث حضاري

المدن التي تتصدر قائمة اختيارات جيل زد ليست بالضرورة الأكثر تاريخًا أو غنى ثقافيًا، بل قد تكون ببساطة تلك التي توفر مناظر خلابة، جدرانًا ملونة، أو "خلفيات" مثالية للصور. فعلى سبيل المثال، ارتفعت شعبية جزر مثل "سانتوريني" في اليونان و"بالي" في إندونيسيا بشكل ملحوظ بين الشباب، ليس بسبب قيمتها التاريخية، بل لجمال مشاهدها الطبيعية وإمكانية التقاط صور مبهرة فيها.

وسائل التواصل الاجتماعي.. البوصلة الجديدة

يلعب المؤثرون (Influencers) دورًا محوريًا في توجيه اختيارات الجيل الجديد. إذ يتابع كثيرون من جيل زد منشورات السفر على "تيك توك" و"إنستغرام" ويختارون وجهاتهم على هذا الأساس. الرحلة لم تعد تجربة شخصية فقط، بل أصبحت مشروعًا بصريًا يجب توثيقه وتقديمه بطريقة جذابة للآخرين. وقد أظهرت تقارير

من منصة Skyscanner أن بعض المستخدمين يبحثون ضمن خانة "الأكثر مشاركة على إنستغرام" لتحديد خطط سفرهم.

انعكاسات ثقافية وسياحية

هذا التحول يثير تساؤلات حول مصير المواقع التاريخية والثقافية التي قد لا توفر بالضرورة مشاهد ساحرة أو خلفيات ملونة، لكنها تحمل إرثًا حضاريًا كبيرًا. فهل ستُهمل تلك المواقع تدريجيًا؟ وهل سيكون لجيل زد دور في إعادة تعريف السياحة العالمية من خلال عدسة الهاتف الذكي؟ يشير بعض الخبراء إلى أن هذا النمط قد يؤدي إلى تسليع السياحة، حيث تصبح الرحلة مجرد وسيلة للحصول على محتوى بصري، بدلاً من أن تكون تجربة غنية بالمعرفة والتفاعل الثقافي.

التوازن المفقود بين الجمال والتجربة

في الوقت الذي لا يمكن إنكار أهمية الجمال البصري في جذب الزوار، يحذر بعض الأكاديميين وخبراء السياحة من فقدان "الروح الثقافية" للسفر. إذ يقول الدكتور أليكس ويليامز، الباحث في شؤون الإعلام الرقمي، إن "السفر كان دائمًا وسيلة

لاكتساب منظور جديد عن العالم، أما اليوم فقد تحوّل إلى تجربة تسويقية بصيغة مرئية، ما يهدد بخسارة العمق الإنساني في السفر".

مستقبل السياحة في عصر جيل زد

العديد من الجهات السياحية بدأت بالفعل في تكييف استراتيجياتها لتلبية تفضيلات هذا الجيل، مثل توفير "زوايا تصوير" مخصصة، وتوفير خدمات رقمية تسهّل مشاركة الصور. إلا أن هذا التوجه يضع على عاتق المؤسسات الثقافية تحديًا كبيرًا لإيجاد طرق لدمج المضمون الثقافي داخل هذه التجربة البصرية، كي لا تتحول الرحلات إلى مجرد سلسلة صور دون محتوى حقيقي.

خلاصة:

جيل زد يعيد تشكيل معايير السياحة في القرن الحادي والعشرين. وبينما تسهم المنصات الرقمية في الترويج لوجهات جديدة، فإنها في الوقت ذاته تعيد توجيه البوصلة بعيدًا عن الجوهر الثقافي والتاريخي. التحدي القادم يكمن في إيجاد توازن بين "الصورة" و"التجربة"، بين "الإعجاب" و"المعرفة"، بحيث لا تضيع القيم الجوهرية للسفر في عالم بات

يخضع لمنطق المشاركة والانتشار الرقمي.

تم نسخ الرابط