الأساطير كمنهج تفكير: كيف يعيد بعض الفلاسفة المعاصرين النظر في القصص القديمة لفهم الإنسان الحديث؟

لمحة نيوز

الأساطير كمنهج تفكير: رؤية فلسفية حديثة لفهم الإنسان من خلال القصص القديمة

في وقتٍ تتسارع فيه وتيرة التطور التكنولوجي وتتعقد فيه الهويات الإنسانية في عالم ما بعد الحداثة، تعود الأساطير القديمة لتأخذ مكانًا مركزيًا في التفكير الفلسفي والثقافي. لم تعد القصص الأسطورية مجرد حكايات من الماضي تروى للترفيه أو تُدرّس في أقسام الأدب الكلاسيكي، بل أصبحت أداة تحليلية نافذة لفهم النفس البشرية، والهياكل الاجتماعية، وتحولات الوعي الجماعي.

الأسطورة: من الميثولوجيا إلى الفلسفة التحليلية

تُعَرَّف الأسطورة تقليديًا بأنها قصة رمزية ذات طابع مقدس تُستخدم لتفسير الظواهر الطبيعية أو لفهم القيم الثقافية. ولكن عددًا من المفكرين المعاصرين، من بينهم الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك، وعالم النفس الشهير جوردان بيترسون، بدأوا بإعادة قراءة هذه القصص القديمة ليس بوصفها خرافات عفا عليها الزمن، بل كبنية رمزية تحمل في طياتها أنماطًا أزلية من السلوك البشري والدوافع النفسية الجماعية.

وفقًا لهؤلاء المفكرين، فإن

الأساطير ليست مجرد تعبير عن جهل بدائي، بل هي محاولة مبكرة لتأطير الأسئلة الوجودية التي لا تزال تلاحق الإنسان المعاصر: من نحن؟ ما معنى الحياة؟ كيف نتعامل مع الشر، والخوف، والموت؟ وبذلك، فإن الأسطورة تتحول إلى شكل من أشكال "المنطق الرمزي"، الذي يسبر أغوار العقل الإنساني من خلال الصور والرموز.

الأسطورة كمرآة للذات الجمعية

تُظهر دراسة  أن الأساطير القديمة، بدءًا من ملحمة جلجامش وحتى أساطير الإغريق مثل بروميثيوس وأوديسيوس، تعكس بُنى نفسية وجماعية لا تزال صالحة لفهم تحديات الحاضر. على سبيل المثال، يمثل بروميثيوس الذي سرق النار للإنسان رمزًا للصراع بين السلطة والمعرفة، وهي إشكالية ما زالت ماثلة في عصر الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة.

أما في ميثولوجيا الهند، فإن آلهة مثل شيفا وفيشنو لا تُمثل فقط قوى طبيعية، بل تجسد الصراعات الداخلية بين التدمير والخَلق، وهي مفاهيم يتردد صداها في علم النفس التحليلي الفرويدي واليوني. وهذا ما دفع عالم النفس كارل يونغ إلى اعتماد الأساطير في تطوير نظريته

حول "اللاوعي الجمعي"، الذي يرى أن البشر يشاركون في رموز وصور ذهنية مشتركة موروثة من الماضي.

من التحليل إلى التطبيق: كيف يمكن للأساطير أن توجه السياسات والثقافة؟

الفكر الأسطوري لا يُستخدم فقط في التحليل الفلسفي، بل بدأ يأخذ مكانًا في صناعة الثقافة والسياسات العامة. تشير دراسات في Harvard Divinity School إلى أن روايات الخلاص والبطولة التي تنطوي عليها الأساطير القديمة تُستثمر الآن في سرديات الحملات السياسية والإعلامية، حيث يُقدَّم القادة في صورة أبطال يتغلبون على قوى الشر، تمامًا كما في القصص القديمة.

وفي مجال التعليم، اقترحت جامعة كامبردج في تقرير صدر عام 2024 ضرورة إدخال "الفكر الأسطوري" ضمن مناهج الفلسفة والأخلاق، لما له من أثر على تنمية التفكير الرمزي لدى الطلاب، وتعزيز القدرة على رؤية تعقيدات الحياة البشرية من منظور غير تقني، وأكثر ارتباطًا بالمعنى.

الأساطير في عصر ما بعد الحقيقة

في عالم يعاني من "تضخم المعلومات" و"نسبية الحقائق"، يبرز سؤال: هل تعود الأساطير لتسدّ فراغًا وجوديًا؟

يشير بعض الفلاسفة إلى أن ما نحتاجه اليوم ليس فقط تقنيات جديدة، بل روايات قادرة على خلق معنى وسط الفوضى المعرفية. ومن هنا، تصبح الأساطير وسيلة لفهم ذاتنا الحديثة، ليس هربًا من الواقع، بل انغماسًا فيه عبر بوابة الرموز.

كما يرى المفكر الفرنسي ميشيل أونفري أن العودة للأساطير ليست نكوصًا، بل تحرر من هيمنة النزعة التقنية التي نزعت المعنى عن الحياة اليومية. فالأسطورة تمنح الإنسان ما تفتقر إليه النماذج العلمية المجردة: تجربة روحية، وحكمة شعورية، وتاريخ حيّ.

خاتمة: نحو إعادة تأطير الأسطورة كأداة معرفية

تبدو دعوات إعادة النظر في الأساطير من قبل فلاسفة ومفكرين معاصرين كجزء من تحوّل أوسع في الوعي الإنساني، تحوّل يعترف بأن العقل وحده لا يكفي لفهم الكينونة. فالأسطورة، بوصفها وعاءً للذاكرة الجمعية، وعينًا رمزيةً ترى ما وراء الواقعي، تعود لتذكّرنا بأن الإنسان ليس آلة تنتج، بل كائن يسعى للمعنى.

وفي عالم تزداد فيه الحاجة إلى بناء سرديات جديدة قادرة على جمع الناس لا تفريقهم، ربما تكون الأسطورة

هي المفتاح القديم الذي ما زال صالحًا لفتح أبواب المستقبل.

تم نسخ الرابط