برلماني بريطاني يُطلق AI Mark بوت يحاكي صوته وسرده للمواطنين مما أثار غضبًا بسبب الاستغناء عن التواصل البشري
نائب بريطاني يثير جدلًا واسعًا بعد إطلاق روبوت ذكاء اصطناعي "AI Mark" يمثل شخصيته
في خطوة غير مسبوقة في السياسة البريطانية، أعلن عضو البرلمان عن حزب العمال مارك سواردز إطلاق نموذج ذكاء اصطناعي يُدعى "AI Mark"، يحاكي صوته وأسلوبه، ويتيح للناخبين التحدث معه افتراضيًا على مدار الساعة. المبادرة التي بدت للبعض طفرة تكنولوجية في سبيل تعزيز الديمقراطية الرقمية، أثارت عاصفة من الانتقادات والقلق من قبل جمهور الناخبين وخبراء التكنولوجيا على حد سواء، وسط تساؤلات جوهرية حول أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل النيابي.
التقنية وراء "AI Mark": تواصل دائم بصوت النائب
أُنشئ "AI Mark" بالتعاون مع شركة مقرها في دائرة سواردز الانتخابية، واستخدمت تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي ونماذج تحويل النص إلى كلام لتحاكي صوت النائب بدقة، بناءً على تسجيلات علنية وتصريحات سابقة في البرلمان، إضافةً إلى منشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي ومراسلاته مع المواطنين.
يستطيع أي شخص زيارة الموقع الرسمي للنائب، أو استخدام تطبيق مخصص للتواصل مع النموذج الافتراضي، وطرح أسئلة تتعلق بالشؤون العامة، أو تقديم استفسارات وشكاوى متعلقة بالخدمات المحلية.
الهدف المعلن، بحسب سواردز، هو "توفير قناة تواصل مفتوحة على مدار 24 ساعة، لتمكين المواطنين من طرح آرائهم ومطالبهم حتى خارج أوقات الدوام الرسمي"،
أداء متواضع وخيبة أمل جماهيرية
رغم التوقعات العالية، أظهر "AI Mark" أداءً دون المستوى، بحسب تجربة العديد من المستخدمين. فقد بدا الروبوت عاجزًا عن الإجابة على أسئلة دقيقة تتعلق بسياسات النائب أو مواقفه من قضايا مهمة، مثل الاقتصاد، والتعليم، أو قضايا الهجرة.
وحتى عند طرح أسئلة بسيطة، مثل اهتمام النائب بنادي كرة القدم المحلي، جاءت الردود باردة وغير شخصية، مما دفع العديد من المستخدمين إلى وصف التجربة بأنها "آلية جدًا، وتفتقد للدفء الإنساني".
وصفه أحد النقاد بأنه "مجرد شكل من أشكال الرد التلقائي عبر البريد الإلكتروني، لكن بصوت ثلاثي الأبعاد".
انتقادات حادة من المواطنين والإعلام
منذ الإعلان عن المبادرة، توالت ردود الفعل الساخرة والغاضبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وكتب أحد المستخدمين على منصة X (تويتر سابقًا): "أطلق نائبنا الذكي نسخة رقمية منه، لكنها لا تعرف شيئًا عنه!"، بينما قال آخر: "هذا الروبوت جعل النائب يبدو أقل إنسانية وأكثر بُعدًا من أي وقت مضى".
الانتقادات لم تقتصر على الأداء، بل طالت الفكرة بأكملها. فقد اعتبر البعض أن استخدام الذكاء الاصطناعي كوسيلة تواصل أساسية بين الناخب وممثله المنتخب، يفرغ السياسة من مضمونها الإنساني القائم على الثقة، والتفاعل، والحوار.
وفي مقال تحليلي نشرته صحيفة واشنطن بوست، حذر خبراء من أن هذا التوجه قد يخلق "سياسيين افتراضيين"، بعيدين عن الواقع، وغير قادرين على تمثيل الناس فعليًا، كما أثاروا تساؤلات عن قابلية استخدام هذه التقنية في التضليل، أو حتى خداع الناخبين.
النائب يرد: "لن أستبدل نفسي بروبوت"
في خضم الجدل، دافع النائب مارك سواردز عن مبادرته قائلًا: "الهدف ليس استبدال النائب الحقيقي، بل تمكين الناس من الحصول على رد أولي على استفساراتهم، وتنظيم سيل الرسائل التي نستقبلها يوميًا".
وأضاف أن مكتبه يتلقى آلاف الرسائل شهريًا، ولا يمكنه الرد عليها جميعًا في الوقت المناسب، وبالتالي فإن استخدام الأتمتة يساعد في فرز الرسائل، وفهم المواضيع التي تهم المواطنين أكثر من غيرها، مؤكدًا أن أي مراسلة حساسة أو شخصية ستُحال إلى فريقه الحقيقي.
كما أشار إلى أن هذه المبادرة هي "تجريبية"، وسيتم تعديلها أو إلغاؤها إذا لم تحقق الفائدة المرجوة.
تحديات أخلاقية وتقنية وبيئية
الخبراء لم يغفلوا عن الجوانب الأخلاقية والبيئية لهذا المشروع. فقد اعتبر باحثون في علم البيانات والمجتمع أن استخدام نموذج صوتي يحاكي شخصية سياسية حقيقية قد يربك المستخدمين، لا سيما كبار السن، الذين قد لا يدركون أنهم يتحدثون إلى ذكاء اصطناعي، وليس إلى النائب نفسه.
هذا ما دفع إلى مطالبات بضرورة وضع إشعارات واضحة تُظهر أن المتحدث هو "روبوت سياسي"
من جانب آخر، أثارت المبادرة انتقادات من نشطاء بيئيين، نظرًا إلى أن تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي، وخاصة تلك القائمة على نماذج لغوية ضخمة، يستهلك طاقة كهربائية عالية، قد تضر بالبيئة إذا لم تُدار بطريقة مسؤولة ومستدامة.
السياق العالمي: هل تصبح "السياسة الآلية" واقعًا؟
تأتي تجربة "AI Mark" في سياق عالمي يشهد ازديادًا في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في المجالات العامة. ففي الولايات المتحدة، جُرّبت مشاريع شبيهة لتحسين خدمات المواطنين، كما طُرحت مبادرات في بعض دول آسيا لتطوير "روبوتات بلدية" ترد على الشكاوى أو تطلب الوثائق الرسمية.
لكن استخدام الذكاء الاصطناعي في سياق تمثيل سياسي مباشر يظل خطوة جريئة وغير مسبوقة، تطرح أسئلة كبيرة حول حدود الذكاء الاصطناعي في المجالات التي تتطلب حسًا بشريًا، وتعاطفًا، ومسؤولية سياسية.
تقييم أولي: ما بين الطموح والإرباك
من المؤكد أن مبادرة "AI Mark" تُعد سابقة سياسية وفنية، وتفتح نقاشًا ضروريًا حول كيفية تسخير التكنولوجيا لخدمة الديمقراطية. لكن طريقة التطبيق، وافتقار التجربة إلى الدقة والتخصيص، أضرا بصورتها، وأعطيا انطباعًا بأن السياسي يختبئ خلف واجهة رقمية، بدلًا من أن يقترب أكثر من الناس.
ما زال الوقت مبكرًا للحكم على مصير المبادرة، لكن الأكيد أن "AI Mark" أثار نقاشًا عميقًا سيستمر