سلطنة عُمان تعلن عن تحقيق فائض في الميزانية لأول مرة منذ 5 سنوات
سلطنة عُمان تعلن عن تحقيق فائض في الميزانية لأول مرة منذ 5 سنوات:
مقدمة:
تحول اقتصادي تاريخي
شهدت سلطنة عُمان تحولاً اقتصادياً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حيث أعلنت عن تحقيق فائض في الميزانية لأول مرة منذ خمس سنوات، وهو إنجاز يعكس نجاح السياسات الاقتصادية والمالية التي تبنتها الحكومة في إطار خطط التنويع الاقتصادي. وفقاً للبيانات الرسمية، سجلت الميزانية العُمانية فائضاً قدره 656 مليون ريال عُماني (1.71 مليار دولار) بنهاية النصف الأول من عام 2023، مقارنة بفائض بلغ 784 مليون ريال في الفترة نفسها من عام 2022 . هذا التحسن المالي يأتي بعد سنوات من العجز المالي الذي واجهته السلطنة بسبب تقلبات أسعار النفط والاعتماد الكبير على القطاع النفطي.
الخلفية التاريخية لأداء الميزانية العُمانية
التحديات الاقتصادية السابقة
واجهت سلطنة عُمان تحديات مالية كبيرة في السنوات الماضية بسبب اعتمادها الشديد على الإيرادات النفطية التي كانت تشكل حوالي 83% من إجمالي الإيرادات الحكومية في عام 2014 . هذا الاعتماد جعل الاقتصاد العُماني عرضة لتقلبات أسعار النفط العالمية، مما أدى إلى عجز في الميزانية بلغ 1.8 مليار ريال عُماني في عام 2014 . واستمر هذا الاتجاه في السنوات التالية، حيث أقرت السلطنة ميزانية عام 2023 بعجز متوقع قدره 1.3 مليار ريال عُماني (ما يعادل 3% من الناتج المحلي الإجمالي) .
التحول نحو التنويع الاقتصادي
أدركت الحكومة العُمانية مبكراً ضرورة تنويع مصادر الدخل، حيث أطلقت الخطة الخمسية الثامنة في عام 2011 بإنفاق إجمالي يصل إلى 43 مليار ريال عُماني لتعزيز القطاعات غير النفطية . وركزت هذه الجهود على تطوير قطاعات السياحة والزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية، بالإضافة إلى تحسين كفاءة الإنفاق الحكومي وترشيده.
عوامل تحقيق الفائض المالي
ارتفاع إيرادات النفط
ساهم ارتفاع أسعار النفط العالمية بشكل كبير في تحسن الأداء المالي لسلطنة عُمان. حيث استفادت الدول الخليجية المنتجة للنفط في عام 2022 من ارتفاع كبير في أسعار الخام، التي تجاوزت 100 دولار للبرميل بعد الغزو الروسي لأوكرانيا . وبحسب بيانات النصف الأول من عام 2023، ارتفع صافي إيرادات النفط بنسبة 9% ليصل إلى 4 مليارات و38 مليون ريال عُماني، مقارنة بتحصيل 3 مليارات و714 مليون ريال في الفترة نفسها من عام 2023 . وبلغ متوسط سعر النفط المحقق نحو 83 دولاراً أمريكياً للبرميل .
نمو الإيرادات غير النفطية
شهدت الإيرادات غير النفطية نمواً ملحوظاً نتيجة للإصلاحات الضريبية وزيادة كفاءة التحصيل. حيث ارتفعت إيرادات الضرائب والرسوم بنسبة 5% في عام 2022 لتصل إلى مليار و840 مليون ريال عُماني . وتشمل هذه الإيرادات ضريبة القيمة المضافة التي بدأت السلطنة في تطبيقها في 16 أبريل 2021 بنسبة 5% ، بالإضافة إلى ضريبة الدخل على الشركات والمؤسسات التي بلغت 81 مليون ريال عُماني، و68 مليون ريال عُماني على التوالي .
ترشيد الإنفاق الحكومي
اتبعت الحكومة العُمانية سياسات فعالة لترشيد الإنفاق وتحسين كفاءته. حيث ارتفع الإنفاق العام في النصف الأول من عام 2024 بنسبة 4% فقط ليصل إلى 6 مليارات و754 مليون ريال عُماني، مقارنة بالإنفاق الفعلي في الفترة نفسها من عام 2023 . وركزت الحكومة على زيادة الإنفاق الإنمائي مع الحفاظ على مستوى المصروفات الجارية، مما ساهم في تحقيق التوازن المالي.
تحليل مكونات الميزانية
الإيرادات الحكومية
بلغت الإيرادات العامة للدولة حتى نهاية يوليو 2024 نحو 7.15 مليارات ريال عُماني (نحو 18.6 مليار دولار)، بانخفاض طفيف قدره 29 مليون ريال عُماني مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2023 . ويعزى هذا الانخفاض بشكل رئيسي إلى انخفاض إيرادات الغاز بنسبة 18% لتصل إلى مليار و90 مليون
الإنفاق الحكومي
شهد الإنفاق الحكومي تحولاً نحو المزيد من الكفاءة والتركيز على المشاريع التنموية. حيث ارتفع الإنفاق الإنمائي ومصروفات بند المساهمات والنفقات الأخرى في النصف الأول من عام 2024 . وتجدر الإشارة إلى أن المصروفات الاستثمارية في عام 2014 كانت تمثل 24% من إجمالي الإنفاق العام ، مما يعكس استمرار التركيز على المشاريع التنموية طويلة الأجل.
الإصلاحات الهيكلية والدعم المؤسسي
الإصلاحات الضريبية
أصدرت سلطنة عُمان مرسوماً سلطانياً برقم 2023/80 بشأن الإعفاء من الضرائب، والذي منح وزير المالية صلاحية الإعفاء من الضرائب بدلاً من رئيس جهاز الضرائب . ورغم أن هذا المرسوم لا يعني الإعفاء من الضرائب بشكل عام، إلا أنه يمثل خطوة نحو تحسين حوكمة النظام الضريبي وزيادة كفاءته . وتشمل الضرائب الحالية في سلطنة عُمان ثلاثة أنواع رئيسية: ضريبة الدخل، وضريبة القيمة المضافة، والضريبة الانتقائية .
تحسين تصنيفات الائتمان
استجابة للإصلاحات الاقتصادية والمالية، قامت وكالات التصنيف الائتماني بتحسين نظراتها المستقبلية لسلطنة عُمان. حيث رفعت وكالة موديز تصنيف عُمان إلى Ba2 في مايو 2023 مع الإبقاء على نظرة مستقبلية إيجابية . كما عدلت وكالتا فيتش وستاندرد آند بورز نظرتهما المستقبلية للسلطنة من "مستقر" إلى "إيجابي" ، وهو ما يعكس ثقة الأسواق الدولية في مسار الإصلاح الاقتصادي العُماني.
التحديات المستقبلية
الاعتماد على النفط
رغم التحسن الملحوظ، لا تزال سلطنة عُمان تعتمد بشكل كبير على الإيرادات النفطية التي تشكل جزءاً رئيسياً من إجمالي الإيرادات. حيث تشير التوقعات إلى أن إيرادات ضريبة القيمة المضافة والضريبة الانتقائية في عام 2023 ستصل إلى نحو 590 مليون ريال عُماني
خدمة الدين العام
واجهت السلطنة تحديات في إدارة الدين العام، حيث بلغت خدمة الدين العام في عام 2022 نحو مليار و140 مليون ريال عُماني بنهاية العام . ورغم أن نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي في عُمان تعتبر من بين الأقل عالمياً (حيث تحتل المرتبة الثالثة عالمياً في تدني نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي) ، إلا أن خدمة هذا الدين تظل عبئاً على الميزانية.
الرؤية المستقبلية والتوقعات
استمرار التنويع الاقتصادي
تسعى سلطنة عُمان إلى تعزيز مسار التنويع الاقتصادي، حيث تتوقع وزارة المالية أن تبلغ الإيرادات غير النفطية في ميزانية 2023 نحو 3 مليارات و330 مليون ريال عُماني . ويركز هذا المسار على تطوير القطاعات الواعدة مثل السياحة واللوجستيات والصناعات التحويلية، والتي يمكن أن توفر مصادر دخل مستدامة بعيداً عن التقلبات النفطية.
تحسين بيئة الأعمال
تعمل الحكومة العُمانية على تحسين بيئة الأعمال لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، حيث تشير التوقعات إلى أن إيرادات ضريبة الدخل على أرباح الشركات والمؤسسات ستصل إلى حوالي 560 مليون ريال عُماني في عام 2023 . كما تسعى إلى تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص لتنفيذ المشاريع التنموية الكبرى.
الخاتمة: نموذج للإصلاح الاقتصادي
يمثل تحقيق سلطنة عُمان لفائض في الميزانية لأول مرة منذ خمس سنوات علامة فارقة في مسيرة الإصلاح الاقتصادي التي بدأتها السلطنة. ورغم التحديات التي لا تزال قائمة، خاصة فيما يتعلق بالاعتماد على النفط وإدارة الدين العام، فإن النتائج الإيجابية تعكس فعالية السياسات المتبعة. ومع استمرار تنفيذ خطط التنويع الاقتصادي وترشيد الإنفاق، يمكن لسلطنة عُمان أن تحقق المزيد من التوازنات المالية الإيجابية في السنوات المقبلة، مما يعزز مكانتها كواحدة