الإمارات والسعودية توقعان اتفاقيات اقتصادية جديدة لدعم التكامل الخليجي
الإمارات والسعودية تدشّنان فصلًا جديدًا من الشراكة الاقتصادية: اتفاقيات استراتيجية تعزّز التكامل الخليجي
في تحول نوعي يكرّس الرؤية المشتركة نحو مستقبل اقتصادي موحّد، أعلنت الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية عن توقيع سلسلة من الاتفاقيات الاقتصادية الجديدة، التي تمثل خطوة محورية ضمن إطار "استراتيجية العزم"؛ الرؤية الثنائية التي تُجسّد طموح البلدين في ترسيخ التكامل الخليجي من بوابة التعاون الاقتصادي الشامل.
الاتفاقيات التي وُقّعت مؤخراً، تأتي في سياق زخم مستمر من العمل التنسيقي بين البلدين تحت مظلة مجلس التنسيق السعودي الإماراتي، الذي أُسس في عام 2016 ليكون منصة استراتيجية لتفعيل مشاريع التعاون في مختلف القطاعات الحيوية، وتوحيد الرؤى التنموية بما يعزّز الاستقرار والنمو في الخليج العربي.
رؤية تكاملية بثلاثة محاور رئيسية
الخطط الموقعة ترتكز على ثلاثة محاور متكاملة تُشكّل الأعمدة الرئيسية للشراكة المستقبلية:
المحور الاقتصادي: يضم مشاريع حيوية في مجالات النفط والغاز، والبتروكيماويات، والطاقة المتجددة، والزراعة، ما يعكس التوجه نحو اقتصاد متنوّع يقوم على الابتكار والاستدامة.
المحور
المحور السياسي والأمني والعسكري: يُعنى بتعزيز التنسيق الدفاعي والأمني بين البلدين، في إطار من التكامل الاستراتيجي الذي يواجه التحديات الإقليمية بروح مشتركة.
وقد تم تشكيل فرق عمل مشتركة تحت إشراف مجلس التنسيق لضمان تنفيذ المشاريع ضمن جداول زمنية واضحة وبمؤشرات أداء قابلة للقياس، ما يعزز من مصداقية الرؤية ويضمن فعاليتها.
التبادل التجاري: أرقام قياسية تعكس متانة العلاقات
سجّل التبادل التجاري غير النفطي بين الإمارات والسعودية نموًا ملحوظًا، بلغ نحو 135 مليار درهم في عام 2023، بزيادة قدرها 69% مقارنة بعام 2013. هذا النمو لم يكن طارئًا، بل جاء نتيجة لتخطيط طويل الأمد وتنسيق مستمر في السياسات الجمركية والتجارية.
وقد بلغ النمو السنوي المركب للتبادل التجاري 5.4% خلال العقد الماضي، فيما توزّع إجمالي التبادل غير النفطي خلال نفس الفترة على 252.46 مليار درهم للواردات، و255.5 مليار درهم للصادرات، و524 مليار درهم لإعادة التصدير.
تلك الأرقام
الاستثمارات المتبادلة: عمق استراتيجي وتنمية مزدوجة
يمثل التبادل الاستثماري بين البلدين علامة فارقة في المشهد الاقتصادي الخليجي. فقد بلغت الاستثمارات السعودية في الأسواق الإماراتية نحو 6.5 مليار دولار حتى نهاية 2022، في حين بلغت الاستثمارات الإماراتية المباشرة في السعودية حوالي 111 مليار ريال.
هذا التداخل الاستثماري لم يقتصر على الشركات الكبرى، بل امتد ليشمل دعم رواد الأعمال والمشاريع الناشئة، من خلال مبادرات تمويل وتدريب وتطوير، تهدف إلى تمكين القطاع الخاص في البلدين وتعزيز قدرته على المساهمة في الناتج المحلي الإجمالي.
قطاعات حيوية في قلب الشراكة
الزخم الاقتصادي المشترك شمل قطاعات استراتيجية ذات أثر طويل الأمد:
الصناعة والتعدين: تسعى الدولتان لتوطين الصناعات الثقيلة وتعزيز الشراكات في قطاع التعدين، مستفيدتين من تنوع الموارد والخبرات والتكنولوجيا المتقدمة.
الطاقة المتجددة: أُعلن عن إنشاء صندوق استثماري مشترك للطاقة النظيفة، يعكس التزامًا واضحًا بالتحول نحو الاقتصاد
الأمن الغذائي: أطلقت الدولتان خطة لتأسيس شركة زراعية باستثمار يبلغ 5 مليارات درهم، تسعى لتحقيق الاكتفاء الذاتي في السلع الأساسية، وضمان استقرار سلاسل الإمداد الغذائي في ظل التحديات العالمية.
تأثير إقليمي ودولي آخذ في الاتساع
بإجمالي ناتج محلي مشترك يتجاوز 1.2 تريليون دولار، تفرض الشراكة الاقتصادية الإماراتية السعودية نفسها كقوة إقليمية لا يستهان بها. هذه الشراكة لا تهدف فقط إلى تعظيم المصالح الوطنية، بل ترمي إلى تشكيل تكتل اقتصادي خليجي فاعل، قادر على التأثير في التوازنات الدولية، والتعامل مع التحديات الاقتصادية والجيوسياسية المتسارعة.
خاتمة: نحو مستقبل خليجي متكامل
ما جرى توقيعه من اتفاقيات ليس مجرد تعاون عابر، بل هو تعبير ناضج عن إرادة سياسية واقتصادية تمضي بثبات نحو وحدة اقتصادية خليجية حقيقية. إن ما يجمع الإمارات والسعودية اليوم، يتجاوز الجغرافيا والمصالح الآنية، ليصوغ نموذجًا يحتذى به في التكامل الإقليمي، يُبنى على الاستراتيجيات بعيدة المدى والرؤى الطموحة.
في هذا السياق، تتضح ملامح مرحلة جديدة في المنطقة، عنوانها "الشراكة الذكية"