الدمى المسحورة في المتاحف المصرية هل تتحرك فعلاً ليلاً؟
في قلب مصر القديمة، حيث تتشابك الأساطير مع الحقائق، تبرز ظاهرة غريبة حيرت العلماء والزوار على حد سواء: الدمى المصرية القديمة التي يُقال إنها تتحرك من تلقاء نفسها ليلاً. هذه الظاهرة التي وُثقت في أكثر من متحف مصري، أثارت تساؤلات جدية بين من يؤمن بتفسيرات علمية دقيقة، ومن يرى في الأمر آثارًا سحرية فرعونية ما زالت تسري في أروقة المتاحف حتى يومنا هذا.
فما قصة هذه الدمى؟ ولماذا تُتهم بالحركة الذاتية؟ وهل نحن أمام خدعة بصرية، أم حقيقة دفينة من أسرار الحضارة الفرعونية؟
بداية القصة: متحف مانشستر والدمية "نبتا"
رغم أن الحديث عن الدمى المسحورة ليس جديدًا في الثقافة الشعبية، إلا أن بداية انتشار الفكرة الحديثة ترجع إلى عام 2013، حين لاحظ موظفو متحف مانشستر البريطاني أن دمية مصرية صغيرة تدعى "نبتا" كانت تدور حول نفسها ببطء شديد داخل واجهتها الزجاجية دون أن يلمسها أحد.
الكاميرات الأمنية أظهرت أن الدمية تدور فقط خلال ساعات النهار، وتتوقف ليلاً. كانت حركتها خفيفة بالكاد تُرى بالعين المجردة، لكنها منتظمة بما يكفي لتثير الفضول وتدفع البعض لربطها بأساطير السحر الفرعوني، وعودة الأرواح إلى المقتنيات الجنائزية.
الدمى في المتاحف المصرية: ظاهرة أوسع مما نتصور
على
في متحف التحنيط بالأقصر، ذكر حارس ليلي أنه شاهد دمية صغيرة تتحرك نصف خطوة للأمام، رغم أن الزجاج مغلق تمامًا ولا مجال لتدخل خارجي. وفي متحف الإسكندرية، تكررت حكايات عن اهتزاز طفيف في دمية محنطة موضوعة داخل تابوت زجاجي.
التفسير العلمي: فيزياء أم ظواهر خارقة؟
الباحثون في علم الفيزياء وعلم المتاحف قدموا تفسيرات أكثر عقلانية لتلك الظواهر. أحد أبرز هذه التفسيرات يتعلق بالاهتزازات الناتجة عن الاهتزازات الأرضية الدقيقة، أو حركة الزوار داخل المتحف، والتي قد تؤدي لتحرك الأجسام الخفيفة ذات القاعدة غير المستوية، خاصة إذا كانت موضوعة على أسطح زجاجية أو رخامية.
الدكتور "براين كوكس" أستاذ الفيزياء بجامعة مانشستر، أوضح أن الدمية "نبتا" كانت تتحرك بفعل الاهتزازات الدقيقة التي تحدثها حركة السيارات خارج المتحف، بالإضافة إلى الاختلافات في درجة الحرارة والإضاءة خلال النهار والليل، والتي تؤثر على التمدد والانكماش في المواد الحاملة للدمية.
لكن
البُعد الماورائي: السحر الفرعوني يعود من جديد؟
وفقًا للمعتقدات الفرعونية القديمة، فإن التماثيل الجنائزية (الأوشبتي) كانت تُعد وسيلة لخدمة المتوفى في الحياة الآخرة. كانت تُوضع في القبور لتقوم بأعمال الزراعة أو الخدمة نيابة عن الروح. ويُعتقد أن تلك الدمى قد تم تفعيلها بواسطة تعويذات سحرية مكتوبة بالهيروغليفية.
هذا الإيمان القديم دفع البعض لتصديق فكرة أن هذه الدمى ما زالت تحتفظ بشيء من "الطاقة الروحية"، خصوصًا إذا تم إخراجها من قبورها الأصلية ووضعت في أماكن مختلفة مثل المتاحف الحديثة. وفقًا لمرويات، فإن الأرواح قد تشعر بـ"الاضطراب" عند فصلها عن عالمها الطبيعي، وتبدأ في "التفاعل" بطرق خفية.
تفسيرات ثقافية ونفسية: عندما تلعب عقولنا دور البطولة
من منظور علم النفس، فإن ظاهرة "الدمى التي تتحرك ليلاً" يمكن تفسيرها ضمن إطار ما يُعرف بـ الاستقراء الإدراكي، وهو ميل العقل البشري لملء الفجوات في المعلومات من خلال الأوهام والتخيلات، خاصة في الأماكن المعتمة أو الغامضة.
يقول الدكتور "خالد عبد الرحمن"، أستاذ علم النفس في جامعة عين شمس:
"الدمى ذات
العيون الواسعة، وتفاصيل الوجوه الجامدة، قد تثير فينا استجابة فطرية تُعرف بالخوف من 'الجمادات الحية'. هذا يجعلنا نفسر أي حركة بسيطة بأنها نشاط خارق، حتى وإن كانت مجرد خدعة ضوئية أو ظل."
الدمى المسحورة والسياحة الغامضة في مصر
رغم الغموض والجدل، أصبحت هذه الظواهر الغريبة عامل جذب سياحي بحد ذاته. فالكثير من السياح يزورون المتاحف المصرية أملًا في رؤية "دمية تتحرك" أو التقاط صورة لفيديو يوثق تلك الظواهر. وتم تصنيف بعض هذه الحالات ضمن مجال ما يعرف بـ السياحة الغامضة، التي تعتمد على الإثارة والتشويق والرغبة في اكتشاف المجهول.
بعض شركات السياحة بدأت فعليًا في الترويج لرحلات "المتاحف الغامضة"، التي تشمل زيارات ليلية لبعض المواقع الأثرية، برفقة مرشدين يروون قصص الدمى المسحورة، و"لعنات الفراعنة".
الخاتمة: هل تتحرك الدمى فعلاً؟ الحقيقة بين العلم والأسطورة
لا يمكن الجزم بصحة ما إذا كانت هذه الدمى تتحرك بفعل قوى خارقة، أم أن الأمر برمته لا يتعدى تفسيرات علمية واقعية. لكن المؤكد أن هذه الظاهرة أثارت خيال الكثيرين، ونجحت في تسليط الضوء على جانب جديد من التراث المصري القديم، المليء بالأسرار والمفاجآت. ربما لن نجد إجابة قاطعة، لكن هذا بالضبط ما يجعل القصة مثيرة
هل تجرؤ على زيارة المتحف المصري في الليل؟ ربما تجد دمية تنتظرك… لتتحرك.