لماذا يدفن سكان غينيا الجديدة موتاهم على الأشجار؟

لمحة نيوز

لماذا يدفن سكان غينيا الجديدة موتاهم على الأشجار؟

في أعماق الغابات المطيرة الكثيفة بجزيرة غينيا الجديدة، حيث تعيش العديد من القبائل الأصيلة بمعزل عن مظاهر الحداثة، تزدهر طقوس جنائزية غريبة وفريدة من نوعها، من أبرزها عادة دفن الموتى على الأشجار.

 تقليد قد يبدو صادمًا أو غير مألوف لدى البعض، لكنه يحمل في طياته معتقدات روحية عميقة، ويعكس رؤية فريدة للحياة والموت لدى هذه المجتمعات.

طقوس دفن فريدة تثير الفضول

تمثل الطقوس الجنائزية في غينيا الجديدة أحد أركان الثقافة المحلية، حيث تختلف من قبيلة لأخرى، وتتنوع بين الدفن تحت الأرض، الحرق، أو التعليق على الأشجار. 

إلا أن عادة رفع الجثث فوق الأشجار تبقى من أكثر الممارسات إثارة للدهشة والاهتمام. هذه الطقوس لا تُنفذ عبثًا، بل ترتكز على مفاهيم فلسفية وروحية متجذرة منذ قرون، تهدف إلى تكريم الموتى وضمان راحتهم في العالم الآخر.

لماذا يرفعون موتاهم نحو السماء؟

تعتقد بعض القبائل في بابوا غينيا الجديدة أن رفع الجثة إلى أعلى الأشجار يساعد الروح على الصعود إلى السماء بسهولة، ويُبعدها

عن الأرواح الشريرة التي تتجول على الأرض.

 كما يرى البعض أن الأشجار، بكونها كائنات حية شامخة، تربط بين السماء والأرض، وتشكل جسرًا روحانيًا يضمن للميت انتقالًا سلسًا نحو العالم الآخر.

هذا المفهوم يُترجم في الطقس نفسه، حيث يتم اختيار شجرة طويلة وقوية، تُربط عليها الجثة بعناية في لفائف من أوراق الأشجار أو القماش المحلي، وغالبًا ما تُترك لتتحلل بشكل طبيعي، في انسجام تام مع الطبيعة.

الطبيعة كجزء من الطقوس

تشكل الطبيعة جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية والروحية في غينيا الجديدة. فالأشجار، الغابات، والجبال ليست مجرد مظاهر طبيعية، بل هي رموز روحية مقدسة. ولذلك، فإن دفن الميت على الأشجار يُعد تكريمًا للطبيعة من جهة، وتأكيدًا على العلاقة المتبادلة بين الإنسان ومحيطه من جهة أخرى.

في هذه الطقوس، تُحترم الطبيعة ولا يتم قطع الأشجار، بل تُستخدم بطريقة تحافظ على توازن البيئة، ما يُبرز فلسفة بيئية ضمنية في ممارساتهم الجنائزية.

تقليد غريب أم معتقد روحي عميق؟

رغم غرابة هذا الطقس في نظر الثقافات الأخرى، إلا أنه يُعد من أسمى طرق التكريم في نظر القبائل

التي تمارسه. فهو يعكس احترامًا عميقًا للميت، ويُظهر سعي الجماعة لضمان انتقال روحه بسلام. 

كما أن رفع الجسد فوق مستوى الأرض يُجنب تعرضه للنبش أو العبث من الحيوانات، ويُعتبر حماية إضافية له.

الروابط الروحية والعائلية في لحظات الوداع

لا تقتصر هذه الطقوس على الجوانب الروحية فحسب، بل تؤدي أيضًا دورًا اجتماعيًا وعاطفيًا كبيرًا

ففي أثناء مراسم الدفن، تجتمع الأسرة والمجتمع لأداء طقوس جماعية تشمل الرقصات، الأناشيد، ورواية قصص عن حياة الميت، ما يُعزز الروابط بين أفراد المجتمع، ويُخفف من وطأة الحزن على الفقد.

التفسير الثقافي وراء الممارسة

من منظور أنثروبولوجي، تُعبر هذه الممارسة عن نظرة ثقافية مغايرة لفكرة الموت. فالموت في هذه المجتمعات ليس نهاية، بل تحول في الوجود، وانتقال إلى مرحلة أخرى من الحياة.

 لهذا، فإن هذه الطقوس لا تُمارس بحزن دائم، بل بروح من الاحترام والتسليم والاحتفال بدورة الحياة.

مقارنة مع طقوس جنائزية في ثقافات أخرى

ما يُثير الاهتمام أيضًا هو وجود طقوس مشابهة في مناطق بعيدة عن غينيا الجديدة، مثل بعض قبائل توراجا

في إندونيسيا، التي تدفن الأطفال في تجاويف الأشجار، أو بعض شعوب التيبت التي تمارس ما يُعرف بـالدفن السماوي. وهذا يُشير إلى أن الرمزية المرتبطة بالارتفاع والسماء مشتركة بين عدة ثقافات، رغم اختلافاتها الجغرافية والتاريخية.

أسلوب مختلف لتكريم الراحلين

الدفن على الأشجار يُعد من أرقى أشكال التكريم في المجتمعات التي تمارسه.

 إذ يُنظر إلى المتوفى كمن يستحق مكانًا قريبًا من السماء، بعيدًا عن الظلمة والألم. وفي ذلك رسالة عميقة عن تقدير الحياة والراحلين، بطريقة تختلف تمامًا عن المفاهيم الغربية للدفن.

طقوس تُميز مجتمعات غينيا الجديدة

ما يجعل غينيا الجديدة مميزة هو تنوعها الثقافي الكبير، حيث تضم أكثر من 800 لغة ومئات التقاليد، مما يُثري العالم بفهم مختلف للحياة والموت والروح. 

وطقوس دفن الموتى على الأشجار هي مجرد مثال على هذا الثراء الثقافي الفريد، الذي يدعو إلى التأمل والانفتاح على عوالم لا نعرف عنها الكثير.

في الختام

يُثبت لنا هذا التقليد أن الموت، رغم قسوته، قد يكون فرصة لإعادة تأكيد العلاقة بين الإنسان والكون والطبيعة. ففي

غينيا الجديدة، لا يُدفن الميت في الظل، بل يُرفع نحو النور، إلى حيث تعتقد الأرواح أنها تجد السلام الأبدي.

تم نسخ الرابط