تحذيرات طبية من نقص الأدوية عالميًا تدفع دولًا لاعتماد سياسات جديدة لتفادي الاحتكار وضمان توفر العلاجات الحيوية

لمحة نيوز

تعيش الأنظمة  الصحية  حول العالم في الفترة  الأخيرة  حالة  من القلق المتصاعد مع اتساع أزمة  نقص الأدوية  التي لم تعد مجرد خلل عابر في الإمدادات كما كان يحدث سابقا  بل تحولت تدريجيا إلى مشكلة  أعمق تمس بنية  القطاع الصحي نفسه في دول كثيرة . ومع تزايد الحديث عن هذه الأزمة  تشير التقديرات إلى أنها لم تأت فجأة   بل هي نتيجة  تراكمات طويلة  في الإنتاج والتوزيع  إلى جانب اعتماد عالمي غير متوازن على عدد محدود من مراكز التصنيع.
أزمة  نقص الأدوية  أصبحت اليوم من أبرز التحديات الصحية  التي تواجه الحكومات والمؤسسات الطبية   خاصة  مع تأثيرها المباشر على المرضى الذين يعتمدون على علاجات أساسية  لا يمكن الاستغناء عنها  مثل أدوية  السرطان وأمراض القلب والسكري  بالإضافة  إلى المضادات الحيوية  التي

تعد خط الدفاع الأول ضد العدوى. ومع كل هذا  لم يعد السؤال هل هناك نقص؟ بل إلى أي مدى يمكن أن يستمر هذا الوضع؟
المشهد لا يقتصر على منطقة  دون أخرى  بل يمتد عبر القارات تقريبا. ففي عدد من الدول الأوروبية   تكررت حالات نقص في مئات الأصناف خلال فترات متقاربة   ما تسبب في ارتباك واضح داخل المستشفيات والصيدليات  ودفع الأطباء أحيانا إلى البحث عن بدائل قد تكون أقل توفرا أو حتى أعلى تكلفة . وفي المقابل  تبدو الصورة  أكثر تعقيدا في الدول ذات الدخل المحدود  حيث يتداخل ضعف الإنتاج المحلي مع الاعتماد الكبير على الاستيراد  ما يجعل أي اضطراب عالمي ينعكس بسرعة  وبحدة  أكبر.
و إذا حاولنا فهم جذور الأزمة  سنجد أنها ليست مرتبطة  بسبب واحد فقط  بل هي شبكة  من العوامل المتداخلة . فهناك تركز كبير في تصنيع المواد الخام للأدوية  داخل عدد محدود
من الدول  و هو ما يجعل النظام كله هشا أمام أي اضطراب مفاجئ. إلى جانب ذلك  تلعب الزيادات المفاجئة  في الطلب خاصة  في مواسم الأمراض أو الأوبئة  دورا في استنزاف المخزون بسرعة . ولا يمكن تجاهل الضغوط الاقتصادية  على الشركات  التي قد تدفعها أحيانا إلى تقليل الإنتاج أو توجيهه نحو أسواق أكثر ربحية .
كل هذه التفاصيل جعلت سوق الدواء يعيش حالة  من عدم الاستقرار المستمر  وهو ما دفع العديد من الدول إلى إعادة  التفكير في سياساتها الصحية . لم يعد الاعتماد الكامل على الاستيراد خيارا مريحا  لذلك بدأت الحكومات تتجه نحو تعزيز الإنتاج المحلي للأدوية  الأساسية  مع تحسين التخطيط للاحتياجات بشكل أدق. و هناك أيضا محاولات لتطوير أنظمة  إنذار مبكر ترصد أي نقص محتمل قبل أن يتحول إلى أزمة  فعلية  و هي خطوة  تبدو ضرورية  في ظل هذا التعقيد.

لكن التأثير الحقيقي يظهر عند المرضى. في كثير من الحالات  يضطر الأطباء لتغيير خطط العلاج أو استخدام بدائل قد لا تكون بنفس الكفاءة   وهو أمر قد يطيل فترة  التعافي أو يؤثر على النتائج الصحية  بشكل عام. كما تواجه المستشفيات ضغطا إضافيا في إدارة  المخزون وتأمين الاحتياجات  ناهيك عن ارتفاع التكاليف بسبب الحلول السريعة  و غير المخطط لها. وفي بعض الحالات الحرجة  قد يصبح انقطاع الدواء مسألة  خطيرة  فعلا.
في النهاية   يبدو أن أزمة  نقص الأدوية  ليست مشكلة  مؤقتة  ستختفي سريعا  بل تحد مفتوح على المستقبل. و مع استمرار الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية   يبقى الحل مرتبطا بقدرة  الدول على التحرك بشكل جماعي و بناء نظام أكثر توازنا. فهل تنجح هذه الجهود في احتواء الأزمة ؟ أم أننا أمام واقع جديد سيستمر لفترة  أطول مما نتوقع؟

تم نسخ الرابط