دراسة حديثة تربط التعرض لتلوث الهواء أثناء الحمل بحرائق الغابات وتسلط الضوء على مخاطر صحية متزايدة

لمحة نيوز

تكشف دراسة أمريكية حديثة عن تغير لافت في مصادر تلوث الهواء الذي تتعرض له النساء أثناء الحمل، فمع انخفاض مستويات الجسيمات الدقيقة عمومًا خلال السنوات الماضية، أصبحت حرائق الغابات مصدرًا متزايدًا لهذا التلوث، وهو ما يثير مخاوف جديدة بشأن صحة الحوامل والأجنة، خاصة مع اتساع نطاق الحرائق وانتقال دخانها إلى مناطق بعيدة عن مواقع اشتعالها.

حلل الباحثون بيانات نحو 64.5 مليون حالة حمل في الولايات المتحدة بين عامي 2003 و2019، وشملت الدراسة 48 ولاية، مع مقارنة بيانات الولادات بتقديرات التعرض اليومي لجسيمات PM2.5 الدقيقة. وأظهرت النتائج انخفاض متوسط التعرض لهذه الجسيمات أثناء الحمل بنحو 34% خلال فترة الدراسة، في انعكاس واضح لنجاح الإجراءات التي خفضت انبعاثات السيارات والمصانع والمصادر التقليدية الأخرى.

لكن الصورة لم تكن إيجابية بالكامل. فعند عزل تأثير حرائق الغابات، تبين

أن مساهمتها في إجمالي التعرض للجسيمات الدقيقة ارتفعت من 3.7% عام 2003 إلى 8.2% عام 2019، أي أكثر من الضعف. وبحلول نهاية الفترة المدروسة، أصبحت الحرائق مسؤولة عن نحو 65% من الأيام التي تجاوزت فيها مستويات PM2.5 عتبة 35 ميكروغرامًا لكل متر مكعب.

وهذا يعني أن تحسن جودة الهواء أخفى وراءه تحولًا مهمًا في طبيعة المشكلة. فكلما تراجعت الانبعاثات التقليدية، أصبحت الانبعاثات الناتجة عن الحرائق أكثر حضورًا، حتى باتت مصدرًا رئيسيًا لأيام التلوث المرتفع. ولا يقتصر الأمر على السكان القريبين من مناطق الحرائق، إذ يستطيع الدخان الانتقال لمسافات طويلة مع الرياح والوصول إلى مدن ومجتمعات بعيدة.

وتزداد أهمية هذه النتائج خلال الحمل، باعتبارها فترة حساسة تجاه العوامل البيئية. فقد ربطت دراسات سابقة التعرض لدخان حرائق الغابات بارتفاع احتمالات الولادة المبكرة وانخفاض وزن المولود وبعض

المضاعفات الأخرى، مع وجود مؤشرات على أهمية التعرض خلال الثلثين الثاني والثالث من الحمل. ومع ذلك، فإن الدراسة الجديدة لم تبحث مباشرة في نتائج الولادة، وإنما ركزت على حجم التعرض ومصدر التلوث، ولذلك لا تعني نتائجها أن التعرض للدخان يؤدي حتمًا إلى مشكلة صحية لدى كل امرأة.

ويحمل دخان الحرائق مخاطر خاصة بسبب احتوائه على خليط من الجسيمات والمواد الكيميائية الناتجة عن احتراق النباتات وغيرها. ويمكن للجسيمات الدقيقة الوصول إلى أعماق الرئتين، بينما تشير بعض الأدلة إلى أن مكونات دخان الحرائق قد تختلف في تركيبها وتأثيرها عن ملوثات المصادر الأخرى. ويرجح العلماء أن الالتهاب والإجهاد التأكسدي قد يكونان من الآليات التي تربط هذا التعرض ببعض النتائج السلبية للحمل، لكن التفاصيل الدقيقة ما تزال قيد البحث.

كما لم تتوزع أعباء التلوث بالتساوي، إذ سجلت الدراسة تعرضًا أكبر في بعض المناطق

الريفية والمجتمعات منخفضة الدخل، وكذلك المناطق التي تضم أعدادًا كبيرة من السكان الأمريكيين الأصليين وسكان ألاسكا الأصليين، إضافة إلى المناطق التي تعاني نقصًا في خدمات رعاية الأمومة. وهنا تظهر المشكلة الاجتماعية بوضوح، فليس جميع الأسر قادرة على شراء أجهزة تنقية الهواء أو الانتقال مؤقتًا إلى أماكن أقل تلوثًا.

ومع ارتفاع درجات الحرارة وتكرار الظروف الجافة في بعض المناطق، قد تصبح حرائق الغابات أكثر شدة واتساعًا، ما يزيد احتمال التعرض لموجات دخان تستمر أيامًا. 

وتكشف الدراسة في النهاية مفارقة واضحة: الهواء أصبح أنظف عمومًا، لكن دخان الحرائق بدأ يلتهم جزءًا من المكاسب التي تحققت. ومع استمرار تغير المناخ، قد تصبح حماية الحوامل والأجنة من هذا الدخان قضية أكثر إلحاحًا، لأن التعامل مع حرائق الغابات لم يعد متعلقًا بالغابات والممتلكات فقط، بل أصبح جزءًا من حماية الصحة

العامة أيضًا.

تم نسخ الرابط