دراسة تكشف مؤشرات حيوية جديدة تفسر كيف يمكن لتلوث الهواء أن يضر الخلايا ويرفع مخاطر أمراض القلب

لمحة نيوز

كشفت دراسة حديثة عن تغيرات دقيقة تحدث داخل الجسم بعد التعرض لتلوث الهواء، وقد تساعد هذه النتائج في تفسير العلاقة بين الهواء الملوث وارتفاع مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية. وتركز الدراسة على الميتوكوندريا، وهي مكونات أساسية داخل الخلايا مسؤولة عن إنتاج الطاقة والتعامل مع الدهون، باعتبارها إحدى الحلقات التي قد ينتقل من خلالها تأثير الملوثات من الجهاز التنفسي إلى بقية أعضاء الجسم.

وتمكن باحثون من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس من تحديد مجموعة من المركبات الأيضية التي ارتفعت مستوياتها في دم حيوانات وبشر تعرضوا لملوثات الهواء. وتشير هذه التغيرات إلى احتمال حدوث اضطراب في قدرة الخلايا على تكسير الدهون وإنتاج الطاقة بكفاءة، وهي عمليات ترتبط بدورها بصحة القلب والأوعية الدموية.

اعتمد الباحثون على تحليل واسع لجزيئات الدم للبحث عن التغيرات التي تحدث في عمليات الأيض بعد التعرض للتلوث، وكان من أبرز ما ظهر ارتفاع مستويات الأحماض ثنائية الكربوكسيل طويلة السلسلة، والأسيل-كارنيتين متوسط وطويل السلسلة. وترتبط هذه المركبات بعملية تكسير الأحماض الدهنية داخل الخلايا، وهي عملية تعتمد بدرجة كبيرة على الميتوكوندريا.

وفي الظروف الطبيعية تعمل الميتوكوندريا على معالجة الدهون وتحويلها إلى طاقة، لكن اضطراب هذه العملية قد يؤدي إلى تراكم بعض النواتج الوسيطة وظهورها بمستويات أعلى في الدم. ولهذا يرى الباحثون أن هذه المركبات قد تكون بمثابة نافذة تكشف ما يحدث داخل الخلايا حتى قبل ظهور أعراض مرضية واضحة.

ولم تعتمد الدراسة على التجارب الحيوانية فقط، إذ شملت فئران تعرضت لعوادم الديزل لمدة أسبوعين، إلى جانب بيانات من 26 شخصًا بالغًا يتمتعون بصحة جيدة ولا يدخنون. وكان المشاركون من منطقة لوس أنجلوس وسافروا إلى بكين خلال صيفي عامي 2014 و2015، حيث تمت متابعتهم لمدة عشرة أسابيع.

وأظهرت التحاليل لدى الفئران تغيرات مرتبطة باستقلاب الدهون، إلى جانب مؤشرات على ضعف وظيفة الميتوكوندريا في الكبد. أما المشاركون البشر فقد ظهرت لديهم أيضًا مستويات مرتفعة من الأحماض ثنائية الكربوكسيل طويلة السلسلة والأسيل-كارنيتين متوسط وطويل السلسلة، وهو التشابه الذي عزز فرضية ارتباط هذه التغيرات باضطراب استقلاب الأحماض الدهنية ووظيفة الميتوكوندريا.

ولاحظ الباحثون كذلك ارتباط هذه التغيرات ببعض نواتج أكسدة الدهون ومؤشرات مرتبطة بالتعرض لمركبات هيدروكربونية عطرية متعددة الحلقات. وتشير النتائج مجتمعة إلى احتمال وجود سلسلة تبدأ بالتعرض لملوثات الهواء، ثم تؤثر في استقلاب الدهون داخل الخلايا بالتزامن مع زيادة الإجهاد التأكسدي، الأمر الذي قد ينعكس لاحقًا على وظائف مرتبطة بصحة القلب والأوعية الدموية.

وتكتسب هذه النتائج أهمية إضافية بسبب احتمال استخدام بعض هذه المركبات مستقبلًا كمؤشرات حيوية تكشف التأثيرات المبكرة لتلوث الهواء. فالأضرار الصحية الناتجة عن التعرض للملوثات لا تظهر بالطريقة نفسها لدى الجميع، وقد تمر سنوات قبل ظهور أمراض القلب أو الاضطرابات الأيضية.

وتوضح هذه النتائج أن تأثير التلوث قد يبدأ قبل أن يشعر الإنسان بأي أعراض، إذ يمكن أن تكشف التغيرات الكيميائية في الدم عن اضطرابات تحدث على مستوى الخلايا. كما أن فهم هذه الآلية قد يمنح الباحثين فرصة أفضل لدراسة الأشخاص الذين يتعرضون للهواء الملوث لفترات طويلة، ومراقبة التأثيرات التي قد تتراكم تدريجيًا مع استمرار التعرض، خصوصًا في البيئات شديدة التلوث بمرور الوقت أيضًا.

وبذلك تضيف الدراسة جانبًا جديدًا إلى فهم تأثير تلوث الهواء، فالأمر لا يتعلق فقط بالجسيمات التي تدخل الجهاز التنفسي، وإنما قد تمتد آثارها إلى عمليات خلوية وأيضية في أماكن أخرى من الجسم. وإذا تأكدت هذه النتائج مستقبلًا، فقد تساعد المؤشرات المكتشفة العلماء على فهم المراحل الأولى للضرر وتحديد الاستجابة البيولوجية للجسم للتعرض المزمن للهواء الملوث بصورة أكثر دقة.

تم نسخ الرابط