دراسة تربط مخاطر تفشي الأمراض المعدية الناشئة بتغير النظم البيئية وتداخل البشر والثروة الحيوانية والحياة البرية

لمحة نيوز

تشير دراسة علمية عالمية حديثة إلى أن مخاطر الأمراض المعدية الناشئة لا ترتبط فقط بمسببات المرض من فيروسات وبكتيريا، بل قد تتأثر أيضًا بالطريقة التي يعيد بها الإنسان تشكيل البيئة من حوله، خصوصًا في المناطق التي تتداخل فيها التجمعات السكانية مع الغابات والأراضي الزراعية والموائل الطبيعية المجزأة، إلى جانب وجود الثروة الحيوانية بالقرب من الحياة البرية.

الدراسة التي نشرت خلال سبتمبر 2026 اعتمدت على تحليل أكثر من 58 ألف واقعة تفشٍ مرتبطة بـ32 مرضًا معديًا ناشئًا في 169 دولة، بهدف تحديد العوامل البيئية والاجتماعية التي تتكرر في الأماكن التي تسجل تفشيات لهذه الأمراض، مع الأخذ في الاعتبار تفاوت قدرة الدول والمجتمعات على اكتشاف الحالات والإبلاغ عنها.

وأظهرت النتائج أن المناطق التي تتجاور فيها الأنشطة البشرية مع الغابات والأنظمة البيئية المتجزئة تستحق اهتمامًا خاصًا، إذ تتقاطع فيها المساكن والمزارع والثروة الحيوانية مع المساحات الطبيعية. ولا يعني ذلك أن الاقتراب من الغابات أو وجود الحيوانات البرية بالقرب من البشر يؤدي تلقائيًا إلى ظهور مرض جديد، وإنما قد يؤدي ازدياد نقاط التماس بين الأنواع إلى ظروف أكثر تعقيدًا لانتقال مسببات الأمراض، خصوصًا مع تغير موائل الحيوانات واستخدامات الأراضي.

وكانت هذه العلاقة أكثر وضوحًا في الأمراض المنقولة بواسطة النواقل مثل البعوض والقراد، إذ ارتبط ارتفاع تجزؤ المناظر الطبيعية بمخاطر التفشي في 15 مرضًا من أصل 30 مرضًا اختُبرت هذه العلاقة بشأنها، كما ظهرت علاقة مع مستوى الغطاء الغابي في 13 مرضًا من أصل 27. ومن بين الأمراض التي ظهرت في هذه النتائج حمى الضنك ومرض لايم وبعض الفيروسات التي تنقلها الحشرات.

لكن الدراسة لم تجد نمطًا واحدًا ينطبق على جميع الأمراض، فالعوامل البيئية التي قد تؤثر في مرض معين لا تحمل بالضرورة التأثير نفسه في مرض آخر، بسبب الاختلاف في دورة حياة مسببات الأمراض والحيوانات الحاضنة وطرق انتقال العدوى والظروف المحلية.

كما دخلت الثروة الحيوانية في معادلة المخاطر، خصوصًا عندما توجد الحيوانات المستأنسة في مناطق قريبة من الحياة البرية والإنسان. وقد تعمل بعض الحيوانات كمضيفات وسيطة أو تكون جزءًا من سلسلة انتقال العدوى، إلا أن الدراسة لم تثبت أن زيادة أعداد الماشية ترفع بصورة مباشرة مخاطر جميع الأمراض.

ولم تتوقف النتائج عند استخدام الأراضي، إذ ظهرت كذلك ارتباطات بين تغير أنماط هطول الأمطار ومخاطر عدد من الأمراض، من بينها حمى الضنك والتهاب الدماغ الياباني وحمى الوادي المتصدع. وقد يؤثر تغير الأمطار وتوقيتها في البيئات التي تعيش فيها النواقل، إضافة إلى تأثيره في حركة البشر والحيوانات وتوافر المياه وطرق تخزينها.

أما فقدان الغابات، فجاءت نتائجه أكثر تعقيدًا مما قد يوحي به الربط المعتاد بين إزالة الغابات والأمراض الحيوانية المنشأ. فقد ارتبط فقدان الغابات الحديث بزيادة المخاطر في بعض الحالات، بينما ظهرت علاقة مع انخفاضها في حالات أخرى، ما يعني أن إزالة الغابات لا يمكن اعتبارها تفسيرًا موحدًا لكل التفشيات.

ومن النتائج المهمة أيضًا أن ضعف الوصول إلى الرعاية الصحية قد يخفي جزءًا من الصورة الحقيقية. فقد تراجع الإبلاغ عن التفشيات بوسيط بلغ 32% مع كل زيادة قدرها ساعة واحدة في زمن الوصول إلى منشأة صحية، مع اختلاف واضح بين الأمراض. وهذا يعني أن انخفاض الحالات المسجلة في بعض المناطق قد يعكس ضعف القدرة على اكتشافها، وليس بالضرورة انخفاض خطر العدوى.

وتخلص الدراسة إلى أن ظهور الأمراض المعدية الناشئة عملية متعددة العوامل، تتداخل فيها البيئة والمناخ واستخدام الأراضي والثروة الحيوانية وسلوك الإنسان وقدرة الأنظمة الصحية على الرصد. لذلك فإن فهم هذه التفاعلات يمكن أن يساعد الباحثين والجهات الصحية على تحديد المناطق التي تستحق المراقبة وتطوير وسائل الوقاية وفق طبيعة كل مرض، خصوصًا مع استمرار التوسع العمراني والزراعي وتغير المناخ وتجزؤ الموائل الطبيعية.

تم نسخ الرابط