دراسة بريطانية واسعة تربط اكتئاب الحمل بزيادة احتمالات احتياج الأطفال لاحقًا إلى دعم تعليمي ونمائي

لمحة نيوز

أثارت دراسة بريطانية واسعة الانتباه إلى العلاقة المحتملة بين الصحة النفسية للأم خلال الحمل والمسار التعليمي والنمائي للطفل في السنوات اللاحقة، بعدما أظهرت أن الأطفال الذين عانت أمهاتهم من الاكتئاب أثناء الحمل كانوا، على مستوى المجموعات، أكثر عرضة للحصول على خدمات أو ترتيبات مرتبطة بالاحتياجات التعليمية الخاصة والدعم النمائي مقارنة بغيرهم.

وتستند الدراسة إلى تحليل سجلات صحية وتعليمية لأكثر من 167 ألف طفل وُلدوا في ويلز بين عامي 2009 و2016، مع متابعة بياناتهم حتى عام 2022. وأتاح هذا العدد الكبير للباحثين دراسة العلاقة بين الحالة النفسية للأم خلال الحمل ومجموعة من النتائج التي قد تظهر لدى الطفل لاحقًا، مع التأكيد على أن النتائج لا تعني أن اكتئاب الحمل يحدد مستقبل الطفل بصورة حتمية، فالنمو يتأثر بعوامل كثيرة تبدأ من الاستعدادات الوراثية وتمتد إلى البيئة الأسرية والاجتماعية والصحية والتعليمية.

وأظهرت البيانات أن نحو 20% من الأطفال في المجموعة التي لم تكن فيها الأم مصابة بالاكتئاب أثناء الحمل ولم تستخدم مضادات الاكتئاب ظهرت لديهم احتياجات تعليمية خاصة. وارتفعت النسبة إلى قرابة 24% بين الأطفال الذين عانت أمهاتهم من الاكتئاب دون استخدام مضادات الاكتئاب، ووصلت إلى نحو 27% لدى المجموعة التي اجتمع فيها تشخيص الاكتئاب مع العلاج بمضادات الاكتئاب أثناء الحمل.

وشملت الاحتياجات التي جرى تتبعها حالات وصعوبات مثل التوحد واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، إلى جانب مشكلات التواصل وصعوبات التعلم وبعض الاضطرابات الانفعالية والسلوكية.

لكن هذه الأرقام لا تعني أن طفلًا بعينه سيواجه مشكلة تعليمية أو نمائية بسبب اكتئاب والدته، كما أنها لا تثبت أن مضادات الاكتئاب تسببت مباشرة في هذه النتائج. فالدراسة قائمة على الملاحظة وتحليل السجلات، ولذلك يمكنها إظهار ارتباط بين عوامل مختلفة، لكنها لا تستطيع إثبات علاقة سببية قاطعة.

وهنا تبرز أهمية النظر إلى العلاج الدوائي بحذر، إذ إن النساء اللواتي يتلقين مضادات الاكتئاب قد يعانين من أعراض أشد أو من ظروف صحية ونفسية أخرى تختلف عن النساء اللواتي لا يحتجن إلى العلاج. ومن الصعب بالتالي فصل تأثير الاكتئاب نفسه عن تأثير العلاج عند متابعة النتائج لدى الأطفال.

ولا تقدم الدراسة أساسًا للتوقف عن مضادات الاكتئاب أثناء الحمل، خصوصًا أن الاكتئاب غير المعالج قد يمثل مشكلة صحية بحد ذاته. ولذلك تبقى قرارات بدء العلاج أو الاستمرار فيه أو تغييره مرتبطة بحالة كل امرأة، وينبغي مناقشتها مع الطبيب أو القابلة المختصة، بدل اتخاذ قرار فردي بناءً على هذه النتائج وحدها.

وتأتي الدراسة ضمن اهتمام متزايد بتأثير الصحة النفسية للأم أثناء الحمل في نمو الطفل، إلا أن العلاقة تظل معقدة بسبب عوامل أخرى مثل الظروف الاجتماعية والاقتصادية، والتوتر الأسري، والمشكلات الصحية، وأنماط الحياة، والصحة النفسية للأم بعد الولادة.

ومع ذلك، تحمل النتائج جانبًا عمليًا مهمًا، يتمثل في أهمية متابعة نمو الطفل واكتشاف أي صعوبات في اللغة أو التواصل أو التعلم أو السلوك في وقت مبكر، من دون وضع الطفل في فئة محددة مسبقًا بسبب تاريخ الحمل.

وتكمن قوة الدراسة في حجم البيانات وامتداد المتابعة لسنوات، لكنها لا تستطيع رسم مستقبل طفل محدد. فالكثير من الأطفال الذين تعرضت أمهاتهم للاكتئاب أثناء الحمل لا يواجهون صعوبات تعليمية أو نمائية، وقد تظهر مثل هذه الاحتياجات لدى أطفال لم تتعرض أمهاتهم للاكتئاب.

وفي النهاية، تسلط النتائج الضوء على أهمية إدراج الصحة النفسية للأم ضمن رعاية الحمل، مع مواصلة البحث في العلاقة بين اكتئاب الحمل والنمو اللاحق للأطفال. فالأهم هو اكتشاف الاكتئاب وعلاجه بالشكل المناسب، ومتابعة نمو الطفل عند الحاجة، دون تحويل الارتباطات الإحصائية إلى أحكام نهائية بشأن مستقبل الأطفال أو تحميل دواء بعينه مسؤولية نتائج لا تثبت الدراسة سببها المباشر.

تم نسخ الرابط