بكتيريا تأكل الإشعاعات النووية.. كيف تُستخدم لإنقاذ البشرية؟

لمحة نيوز

بكتيريا تأكل الإشعاعات النووية… هل تقودنا نحو ثورة بيئية تنقذ العالم؟

في أعماق المناجم المهجورة ومناطق الكوارث النووية، حيث لا يجرؤ أي كائن حي على البقاء، تعيش كائنات دقيقة قادرة على تحدي المستحيل. إنها البكتيريا المقاومة للإشعاع، أو كما يسميها العلماء اليوم "البكتيريا الآكلة للإشعاعات".  
في ظاهرة حيّرت العلماء وأشعلت خيال الباحثين، أظهرت بعض أنواع البكتيريا قدرة مذهلة على امتصاص كميات هائلة من الإشعاع النووي، بل وتحويل الطاقة الإشعاعية إلى غذاء، ما يفتح الباب أمام ثورة علمية قد تغيّر مستقبل إدارة النفايات النووية، بل وربما تنقذ البشرية من أضرارها المستعصية.

النجمة الغامضة: بكتيريا Deinococcus radiodurans

تتصدّر بكتيريا Deinococcus radiodurans قائمة هذه الكائنات، إذ صنّفتها موسوعة "غينيس" كأكثر الكائنات الحية مقاومة للإشعاع على وجه الأرض. تستطيع هذه البكتيريا النجاة بعد تعرضها لجرعات من الإشعاع تفوق ما يمكن أن يقتل الإنسان بمقدار 1000 مرة.

لكن ما يُثير الدهشة أكثر هو أن هذه البكتيريا لا تكتفي

بالنجاة، بل تقوم بإصلاح الحمض النووي (DNA) الخاص بها بسرعة فائقة بعد تعرضه للتلف، وتستخدم طاقة الإشعاع كنوع من أنواع "الوقود الحيوي".

من الكوارث إلى الحلول: البكتيريا تدخل حقل المعالجة النووية

بدأ العلماء في التفكير بجدية باستخدام هذه البكتيريا في مجال التطهير البيئي من الإشعاعات، خاصة في المناطق المتضررة من الحوادث النووية مثل تشيرنوبيل في أوكرانيا وفوكوشيما في اليابان.

وقد أظهرت تجارب مخبرية قدرة هذه البكتيريا على النمو في تربة ملوثة إشعاعيًا، وعلى امتصاص بعض النظائر المشعة مثل اليود 129 واليورانيوم 238. ويمكن، بفضل الهندسة الوراثية، تعزيز قدرتها على تفكيك وتثبيت هذه المواد داخل خلاياها، مما يقلل من مخاطرها على البيئة والإنسان.

كيف تعمل هذه البكتيريا؟

تعتمد البكتيريا الآكلة للإشعاع على عدة آليات:

1. إصلاح الحمض النووي التالف بسرعة استثنائية.
2. احتواء المواد المشعة داخل بنيتها الخلوية، بما يمنع انتشارها.
3. تحويل الطاقة الإشعاعية إلى طاقة كيميائية تُستخدم في النمو والبقاء.

وهذه الخصائص تضعها في موقع متقدّم

كأداة بيولوجية لإزالة التلوث في المواقع النووية، في ما يُعرف علميًا باسم "المعالجة الحيوية للإشعاع" (Radiation Bioremediation).

فرص واعدة... وتحديات قائمة

الآمال المعقودة على هذه البكتيريا كبيرة، لكن التحديات ليست بالقليلة. فحتى الآن، لا تزال التطبيقات التجارية لهذه التقنية محدودة بسبب:

- صعوبة التحكم الكامل بسلوك البكتيريا في البيئات المفتوحة.
- الحاجة إلى تعزيز قدراتها عبر التعديل الوراثي، ما يثير مخاوف أخلاقية وبيئية.
- ضعف الوعي العالمي بهذه التقنية، وقلّة الاستثمار فيها مقارنةً بالتقنيات الكيميائية المكلفة.

ومع ذلك، بدأت بعض الفرق البحثية في الولايات المتحدة واليابان والهند العمل على تطوير سلالات أكثر كفاءة من D. radiodurans، عبر تقنيات التحوير الجيني، لتتمكن من امتصاص طيف أوسع من العناصر المشعة.

إمكانات ثورية خارج كوكب الأرض

لم تتوقف طموحات العلماء عند الأرض فقط، بل إن وكالة "ناسا" بدأت بالفعل باختبار هذه البكتيريا في الفضاء الخارجي، لدراسة إمكانية استخدامها في تنقية المياه أو توليد الطاقة على سطح

المريخ.

وفي هذا السياق، يقول الدكتور "كريس ماكاي"، الباحث في "ناسا":  
"إذا كنا نبحث عن الحياة في بيئات قاسية خارج كوكب الأرض، فإن D. radiodurans تمنحنا نموذجًا حيًا عن قدرة الكائنات على البقاء في أقسى الظروف."

هل تكون البكتيريا حليفنا في مواجهة الكوارث النووية؟

مع تزايد أعداد المفاعلات النووية حول العالم، وظهور تحديات متكررة في التخلص من النفايات المشعة، تبدو هذه البكتيريا بمثابة حارس بيئي خفي، قادر على تخفيف واحدة من أخطر مشكلات العصر الحديث.

وبينما يُعدّ التخلص من النفايات النووية أحد أكثر الملفات حساسية على الصعيد البيئي، فإن إدخال البكتيريا في هذا المجال قد يشكّل تحولاً استراتيجيًا في كيفية تعاملنا مع مصادر الطاقة النووية.

من النفايات إلى النجاة

في زمن يتسابق فيه البشر نحو ابتكار الحلول الصديقة للبيئة، تقدم البكتيريا المقاومة للإشعاع نموذجًا ملهمًا من الطبيعة نفسها، يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمخاطر النووية.  

فهل ستكون هذه الكائنات الدقيقة بمثابة "فرقة إنقاذ بيولوجية" لكوكب باتت إشعاعاته

تهدد الحياة فيه؟  
الجواب قد يكون في عين المجهر… وفي يد العلم.

تم نسخ الرابط