شجرة تفرز سائلًا أحمر يشبه الدم أين تعيش

لمحة نيوز

في أعالي جبال جزيرة سقطرى اليمنية وعلى تلالها الصخرية المعزولة تنمو واحدة من أغرب الكائنات النباتية على سطح الأرض شجرة لا تشبه غيرها في الشكل أو في السلوك إذ تفرز عند جرحها سائلا أحمر اللون يشبه الدم البشري ما منحها اسمها الشهير شجرة دم التنين.
هذه الشجرة التي تجمع بين الغرابة والجمال والندرة أثارت عبر القرون فضول الشعوب واهتمام العلماء وأصبحت رمزا بيئيا نادرا لكوكبنا لما تحمله من خصائص بيولوجية فريدة واستخدامات طبية وتاريخية متجذرة.
تعرف شجرة دم التنين علميا باسم Dracaena cinnabari وهي نوع نادر من النباتات المعمرة التي تنتمي إلى الفصيلة الهليونية. تنفرد هذه الشجرة بموطنها المحدود للغاية حيث تنمو بشكل طبيعي حصريا في جزيرة سقطرى الواقعة جنوب اليمن والتي تصنف من بين أكثر البيئات تنوعا بيولوجيا على مستوى العالم وتدرج ضمن قائمة التراث الطبيعي العالمي لليونسكو.
تستوطن هذه الشجرة المناطق الجبلية المرتفعة وشديدة الجفاف وتعتمد في بقائها على الضباب الصباحي الذي

يتكاثف بين الصخور مما يوفر لها الرطوبة الضرورية في بيئة شحيحة الأمطار.
تعرف شجرة دم التنين بمظهرها اللافت الذي يشبه المظلة المعكوسة إذ تتفرع فروعها بشكل أفقي منتظم وتتجمع أوراقها عند الأطراف مما يمنحها شكلا أقرب إلى قبعة ضخمة. ويعتقد أن هذا التكوين الهندسي تطور خصيصا لمساعدتها على تقليل التبخر وجمع الرطوبة من الهواء لتوجيهها نحو الجذور.
وإلى جانب شكلها الفريد تتمتع هذه الشجرة بعمر طويل إذ يمكن أن تعيش لأكثر من خمسة قرون ما يجعلها من الكائنات النباتية الأطول عمرا في بيئتها.
أكثر ما يميز هذه الشجرة هو الراتينج الأحمر القاني الذي يخرج منها عند تعرضها للجرح. ويطلق السكان المحليون على هذا السائل اسم دم التنين نظرا للونه الكثيف الذي يشبه إلى حد كبير دم الإنسان.
هذا السائل لم يكن يوما مجرد ظاهرة بصرية غريبة بل شكل عبر العصور مادة ثمينة تستخدم في الطب الشعبي والصناعات التقليدية والمعتقدات الروحية. ففي العصور الوسطى كان يعتقد أن دم التنين يحمل خصائص سحرية تستخدم
لطرد الأرواح الشريرة أو الشفاء من الأمراض الغامضة.
لكن العلم الحديث أثبت أن لهذا الراتينج قيمة حقيقية إذ يحتوي على مركبات فعالة مضادة للبكتيريا والالتهابات ويستخدم في معالجة الجروح وكمطهر طبيعي ويدخل في صناعة معاجين الأسنان وبعض الأدوية العشبية.
كما يستخرج منه صبغ طبيعي يستخدم في طلاء الخشب وصناعة الورنيشات وكتابة المخطوطات القديمة لما يتمتع به من لون ثابت وخصائص لاصقة.
رغم قيمتها البيئية والتاريخية تواجه شجرة دم التنين خطر الانقراض بشكل متسارع. وقد صنفها الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة IUCN ضمن الأنواع المهددة بالانقراض نتيجة تراجع أعدادها بشكل مقلق في السنوات الأخيرة.
وتتمثل أبرز التهديدات التي تواجه هذه الشجرة في
التغير المناخي الذي قلل من معدلات الضباب الضروري لبقائها.
الرعي الجائر الذي يمنع الشتلات الجديدة من النمو.
القطع غير المشروع من أجل تجارة الراتينج أو استخدام الأخشاب.
وتسعى عدد من المنظمات البيئية إلى إطلاق برامج لحماية شجرة دم التنين تتضمن مشاريع
لإعادة التشجير وتوفير مناطق محمية وزيادة وعي السكان المحليين بأهميتها.
أصبحت شجرة دم التنين اليوم رمزا لهوية جزيرة سقطرى وتحظى بمكانة خاصة في الوعي الشعبي والثقافة المحلية وتستخدم صورها في الشعارات السياحية والتصاميم البيئية وحتى في الكتب المدرسية. كما أنها تعد أحد عناصر الجذب الرئيسية للمهتمين بالسياحة البيئية والباحثين في علم النباتات.
ومنذ أن ظهرت صورها في وثائقيات علمية وعالمية باتت تشكل رمزا عالميا للنباتات النادرة التي تعيش على هامش الجغرافيا لكنها تحتل صدارة الاهتمام العلمي والبيئي.
إن شجرة دم التنين ليست مجرد كائن نباتي غريب يفرز دما بل هي كائن حي ذو بعد تاريخي وثقافي ودوائي وبيئي يمثل توازنا فريدا بين الطبيعة والأسطورة وبين الحاجة للحماية والرغبة في الاستكشاف.
وإذا كانت هذه الشجرة تقف اليوم في وجه الانقراض فإن حمايتها لا تندرج فقط ضمن مسؤوليات اليمن أو سكان سقطرى بل تقع على عاتق المجتمع الدولي بأسره بوصفها جزءا من التراث البيئي العالمي وكنزا
طبيعيا لا يتكرر.

تم نسخ الرابط