ما السبب العلمي الذي يجعل بعض الناس يعطسون عند النظر إلى الشمس

لمحة نيوز

هل سبق لك أن عطست فجأة عند الخروج من الظل إلى ضوء الشمس الساطع؟ إذا كانت الإجابة نعم، فأنت لست وحدك. هذه الظاهرة الغريبة التي يصاب بها بعض الناس عند تعرض أعينهم للضوء الساطع — وبشكل خاص ضوء الشمس — تُعرف علميًا باسم "رد فعل العطس الضوئي" أو "العطس الفوتي" (Photic Sneeze Reflex). وعلى الرغم من أنها ليست خطيرة، إلا أنها تثير فضول العلماء منذ قرون. فما السبب وراء هذا السلوك الغريب؟ وهل يمكن تفسيره بيولوجيًا؟

ما هو العطس الفوتي؟

العطس الفوتي هو رد فعل لا إرادي يحدث عندما يتعرض الشخص المفطور على هذه الظاهرة لضوء ساطع مفاجئ، غالبًا ضوء الشمس المباشر. يُقدّر أن ما بين 10% إلى 35% من البشر يعانون من هذا النوع من العطس، وهي نسبة ليست ضئيلة كما قد يتخيل البعض.

يُعرف هذا العارض أيضًا في بعض المصادر بـ "متلازمة ACHOO"، وهي اختصار لعبارة إنجليزية طريفة: Autosomal Cholinergic Helio-Ophthalmologic Outburst Syndrome، أي "متلازمة الاندفاع العيني الكوليني المرتبط بالشمس عبر الوراثة الصبغية الجسدية".

السبب العلمي وراء العطس عند النظر إلى الشمس

لفهم هذه الظاهرة،

لا بد من معرفة الآلية التي يحدث بها العطس بشكل طبيعي. العطس هو رد فعل وقائي ينشأ من تحفيز العصب الثلاثي التوائم (Trigeminal Nerve)، المسؤول عن الإحساس في الوجه وتنشيط العضلات التي تتحكم في عملية العطس، ويحدث العطس عادةً عندما يشعر الأنف بوجود مهيّج، كالغبار أو الروائح القوية.

في حالة العطس الفوتي، يُعتقد أن هناك تداخلاً عصبياً غير مقصود بين العصب البصري والعصب الثلاثي التوائم. فعندما تدخل كمية كبيرة من الضوء إلى العين، وبالذات الضوء المفاجئ والساطع، يُرسل العصب البصري إشارات إلى الدماغ لمعالجة هذا التغير. في بعض الأشخاص، تنتقل هذه الإشارات بالخطأ إلى المسار العصبي الخاص بالعصب الثلاثي التوائم، مما يُفسر استجابة الأنف وكأنه تعرّض لمهيّج، فيؤدي إلى العطس.

هل الظاهرة وراثية؟

تشير الأبحاث إلى أن العطس الفوتي له أساس وراثي واضح. فإذا كان أحد الوالدين يعاني من هذه الظاهرة، فهناك احتمال كبير أن يرثها الأبناء. بعض الدراسات تربط الظاهرة بالجينات المرتبطة بالنشاط العصبي والاستجابة الحسية، ولكن لم يتم بعد تحديد الجين المسؤول بدقة.

وتختلف شدة العطس الفوتي بين

شخص وآخر، فبينما قد يعطس البعض مرة واحدة فقط عند النظر إلى الشمس، هناك من قد يعطس ثلاث إلى خمس مرات متتالية، وهو أمر قد يكون مزعجًا في بعض الحالات، خصوصًا عند القيادة أو ممارسة الرياضة.

العطس الضوئي: هل هو خطر؟

في معظم الحالات، لا يُعد العطس الفوتي حالة خطيرة. لكنه قد يُشكل خطرًا ظرفيًا في بعض المواقف. على سبيل المثال:

أثناء القيادة: قد يُفقد السائق تركيزه أو يغلق عينيه للحظة أثناء العطس.

أثناء حمل أدوات خطيرة أو آلات: مثل استخدام أدوات حادة أو معدات في مواقع البناء.

في الأماكن العامة: قد يُسبب إحراجًا أو سوء فهم، خاصة في أوقات انتشار الأمراض المعدية مثل الإنفلونزا أو كورونا.

لهذا السبب، تنصح بعض الجهات الطبية الأشخاص الذين يعانون من العطس الفوتي بأن يرتدوا نظارات شمسية عند الخروج، أو أن يتجنبوا التعرض المفاجئ لأشعة الشمس المباشرة.

تجارب وأبحاث سابقة

اهتم العلماء بهذه الظاهرة منذ العصور القديمة. حتى الفيلسوف اليوناني أرسطو أبدى اهتمامه بها في كتاباته، لكن التفسير العلمي الحديث بدأ في القرن العشرين.

في دراسة أجريت عام 1995 على أكثر من 3000 شخص،

وُجد أن العطس الفوتي أكثر شيوعًا بين العائلات التي لديها تاريخ وراثي لهذه الحالة. كما لوحظ أن الأشخاص ذوي البشرة الفاتحة وذوي الحساسية العالية للضوء يميلون أكثر للإصابة بها.

وهناك أيضًا دراسات تقترح أن فرط نشاط الجهاز العصبي الباراسمبثاوي قد يكون له دور في تحفيز هذا التفاعل.

هل يمكن علاجه؟

لا يوجد علاج مباشر للعطس الفوتي، لكنه ليس من الحالات التي تتطلب علاجًا في الأساس، ما لم يُسبب مشاكل وظيفية. يمكن تخفيفه من خلال:

ارتداء نظارات شمسية مستقطبة.

تجنب التعرض المفاجئ لضوء الشمس.

عدم النظر مباشرة إلى السماء أو سطح عاكس عند الخروج.

استخدام قبعة بظل عريض.

في حالات نادرة، يمكن للطبيب أن يصف قطرات عين أو أدوية لتقليل فرط استجابة العين للضوء، إذا كانت الحالة مزعجة بشدة.

خاتمة

العطس عند النظر إلى الشمس قد يبدو أمرًا غريبًا وغير منطقي، لكنه في الواقع نتيجة تداخل عصبي معقد بين العين والأنف. وبينما لا يُشكل هذا التفاعل خطرًا صحيًا في حد ذاته، إلا أن فهم أسبابه يضيف لمسة مثيرة من المعرفة عن كيف يعمل جسم الإنسان بتعقيد مدهش.

تظل هذه الظاهرة مثالًا على كيف

يمكن لأمور بسيطة في حياتنا اليومية أن تكون لها جذور علمية معقدة، تنتظر من يكتشفها ويفسرها بدقة.

تم نسخ الرابط