انفجارات سينيكا الغامضة هزت أميركا منذ 150 عاماً
في قلب ولاية نيويورك وتحديدا على ضفاف بحيرة سينيكا التي تتموضع ضمن سلسلة بحيرات فينغر ليكس دوت في أواخر القرن التاسع عشر أصوات غريبة هادرة وعنيفة وصفها السكان بأنها أشبه بانفجارات مدافع ضخمة رغم خلو المنطقة من أي نشاط عسكري أو طبيعي واضح. هذه الظاهرة التي باتت تعرف لاحقا باسم انفجارات سينيكا Seneca Guns ما تزال حتى يومنا هذا تثير فضول العلماء والباحثين بعد مرور أكثر من قرن ونصف على أول ظهور لها.
فما هي هذه الانفجارات الغامضة ولماذا لم يتمكن أحد حتى الآن من تقديم تفسير علمي قاطع لها
بدأت التقارير حول الظاهرة في خمسينيات وستينيات القرن التاسع عشر عندما أفاد سكان بلدات نيويورك الغربية القريبة من بحيرة سينيكا بسماع أصوات انفجارية مفاجئة ومروعة هزت الأرض وترددت في السماء دون أي دليل على حدوث زلزال أو عاصفة رعدية أو حتى أنشطة بشرية يمكن أن تبرر تلك الأصوات.
كانت هذه الأصوات تحدث في وضح النهار أحيانا وفي طقس صاف تماما ما زاد من حيرة السكان المحليين ودفعهم إلى التبليغ عنها بشكل متكرر للسلطات والصحف.
سرعان ما جذبت الظاهرة اهتمام الصحافة والمجتمع العلمي خاصة بعد أن نشر الكاتب الأميركي الشهير
بدأت الجهات الأكاديمية في جمع البيانات وتوثيق الحالات وتحديد المواقع الزمنية والجغرافية لسماع الانفجارات إلا أن غياب أي أدلة مادية أو مؤشرات جيولوجية واضحة جعل الظاهرة عصية على التفسير.
على مدار العقود طرحت عشرات النظريات العلمية والتقنية لتفسير انفجارات سينيكا إلا أن أيا منها لم يحظ بإجماع علمي ومن أبرز هذه الفرضيات
1. زلازل خفيفة تحت السطح Microseisms
يرى بعض الجيولوجيين أن الانفجارات قد تكون ناجمة عن زلازل صغيرة غير محسوسة تحدث في باطن الأرض تحت البحيرة. غير أن مراقبة الزلازل في المنطقة لم تسجل أنشطة كافية يمكن ربطها بالظاهرة كما لم يلاحظ أي تغير في سطح الأرض أو تشققات.
2. انفجارات غازية تحت سطح البحيرة
اقترحت بعض الدراسات أن تراكم غازات مثل الميثان في قاع البحيرة قد يؤدي إلى انفجارات صوتية عند تحررها فجأة. ورغم منطقية هذا التفسير في بعض البحيرات البركانية إلا أن بحيرة سينيكا لا تعرف بنشاط
3. انعكاسات صوتية جوية Atmospheric Refraction
يحتمل وفقا لبعض الفيزيائيين أن تكون الأصوات ناتجة عن انفجارات بعيدة تحمل بواسطة طبقات الجو العليا وتنعكس بطريقة غير معتادة نحو سطح الأرض في نقطة مختلفة تماما عن مصدرها الأصلي. غير أن هذا التفسير لا يفسر الاهتزازات الأرضية التي تحدث بالتزامن مع الصوت.
4. أنشطة بشرية مجهولة أو تجارب سرية
رغم أن الظاهرة سبقت ظهور المنشآت العسكرية الحديثة لم يستبعد بعض الباحثين فرضية أن تكون الانفجارات نتيجة تجارب مبكرة على الأسلحة أو المتفجرات لكن ذلك لم يدعم بوثائق رسمية أو أدلة تاريخية.
ما يضاعف غموض الظاهرة هو تكرارها في مناطق أخرى من الولايات المتحدة والعالم. ففي كارولينا الشمالية يبلغ السكان باستمرار عن أصوات مشابهة تعرف هناك باسم مدافع البحر كما سجلت تقارير مماثلة في إيطاليا والهند وحتى على سواحل اليابان.
وفي جميع هذه الحالات يشير الشهود إلى دوي ضخم مفاجئ لا يرافقه أي مؤشر بصري أو آثار مادية ما يشير إلى احتمال وجود ظاهرة فيزيائية أو جيولوجية عالمية لم تفهم بعد.
رغم التطور الكبير في أجهزة قياس الزلازل والتصوير الجوي والتحليل الطيفي
ويعمل الباحثون اليوم على تطوير خوارزميات تعتمد الذكاء الاصطناعي لرصد التغيرات المفاجئة في الموجات الصوتية والزلزالية المرتبطة بهذه الانفجارات على أمل اكتشاف نمط ما.
في غياب تفسير نهائي دخلت انفجارات سينيكا عوالم الأساطير الشعبية الأميركية وتناقل السكان المحليون روايات تزعم ارتباط الظاهرة بأرواح البحيرة أو كائنات خفية تسكن الأعماق أو رسائل من السماء.
ورغم أن هذه التفسيرات ليست علمية إلا أنها تعبر عن حيرة إنسانية دائمة أمام ظواهر طبيعية يصعب إدراكها بالعقل المجرد حتى في عصر التكنولوجيا.
بعد مرور أكثر من 150 عاما على أول ظهور علني للظاهرة تبقى انفجارات سينيكا واحدة من أعقد الألغاز الصوتية في التاريخ الأميركي الحديث. صوت بلا مصدر هزة بلا زلزال لغز تحدى الفيزياء والجيولوجيا والخيال.
هل يكشف العلم يوما أسرار هذه الأصوات أم أنها ستظل تذكيرا دائما بأن الطبيعة لا تفصح