متلازمة القلب المنكسر تصيب النساء أكثر من الرجال

لمحة نيوز

متلازمة القلب المنكسر.. عندما يُترجم الألم النفسي إلى خلل في عضلة القلب

تقرير خاص – في عالم الطب، تظل هناك حالات تتقاطع فيها العاطفة بالجسد، وتتجسد فيها المعاناة النفسية في صورة خلل عضوي ملموس. من بين تلك الحالات، تبرز متلازمة القلب المنكسر، وهي ليست مجرد استعارة أدبية، بل تشخيص طبي حقيقي يصيب القلب حين تُثقل الروح بالألم. والمثير للانتباه أن النساء هنّ الضحية الأبرز لهذه الحالة الغامضة، خصوصًا في مراحل ما بعد منتصف العمر.

تعريف متلازمة نادرة.. لكنها حقيقية

متلازمة القلب المنكسر، أو ما يُعرف طبيًا باسم "اعتلال عضلة القلب تاكوتسوبو" (Takotsubo Cardiomyopathy)، هي حالة طارئة ومؤقتة تصيب القلب نتيجة التعرّض المفاجئ لأزمة نفسية أو عاطفية حادة. في هذه اللحظة، يتفاعل القلب بشكل غير متوقع، فتضعف عضلته مؤقتًا، خصوصًا في الجزء السفلي من البطين الأيسر، وهو ما يؤدي إلى أعراض تحاكي النوبة القلبية من حيث الألم وضيق التنفس والاضطراب في نبض القلب.

لكن، ورغم التشابه الظاهري، لا يكون هناك انسداد في الشرايين كما في الأزمات القلبية المعتادة، بل هو خلل مؤقت قد يزول تمامًا خلال أيام أو أسابيع.

لماذا النساء أكثر عرضة؟

تكشف الأبحاث أن قرابة 90% من المصابين

بهذه المتلازمة هنّ من النساء، وتحديدًا اللواتي تجاوزن سن اليأس. ويُرجّح أن أحد الأسباب الأساسية هو انخفاض هرمون الإستروجين بعد انقطاع الطمث، مما يجعل القلب أكثر حساسية لهرمونات التوتر كالأدرينالين، وبالتالي أقل قدرة على التكيّف مع الصدمات العاطفية.

كما أن التكوين العاطفي لدى النساء، الذي يميل بطبيعته إلى الاستجابة الانفعالية العميقة، يجعل من الأحداث النفسية مثل فقد الأحباء أو الصراعات العائلية محفزًا مباشرًا لظهور الأعراض.

أحداث الحياة قد تترك بصمة على القلب

ليست فقط المآسي ما قد يُفجر الإصابة، بل حتى الأخبار السارة المفاجئة قد تكون شرارة تُشعل هذا الاضطراب القلبي. وتشير الإحصاءات إلى أن النساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 50 و75 عامًا هنّ الأكثر تعرضًا للخطر، خصوصًا بعد مواقف مثل:

فقدان شريك الحياة أو أحد أفراد العائلة.

حوادث مفاجئة أو صدمات مادية.

توتر اجتماعي أو مشكلات أسرية حادة.

تلقي أخبار غير متوقعة، سواء حزينة أو مفرحة.

ورغم أن هذه التجارب تبدو عاطفية في ظاهرها، إلا أن نتائجها تتجاوز النفس لتصل إلى عضلة القلب مباشرة.

أعراض تظهر فجأة وتربك التشخيص

ما يجعل المتلازمة أكثر تعقيدًا هو أن أعراضها تُشبه إلى حد كبير أعراض الأزمة القلبية،

الأمر الذي يُربك المرضى والأطباء على حدّ سواء، ومن أبرز هذه الأعراض:

ألم مفاجئ في الصدر، يوصف أحيانًا بأنه ضاغط أو خانق.

ضيق في التنفس.

تسارع أو اضطراب في نبض القلب.

شعور بالإعياء العام أو الضعف المفاجئ.

وقد تكون هذه الأعراض مصحوبة بخوف شديد أو إحساس غامر بالقلق بعد حدث عاطفي قوي.

التشخيص يفرّق بين القلب المنكسر والنوبة القلبية

عند وصول المريض إلى الطوارئ، يتم عادة إجراء تخطيط للقلب (ECG) وتحاليل لقياس إنزيمات القلب، وهي خطوات تكشف عن تغيرات توحي بوجود نوبة قلبية. غير أن التصوير بالرنين المغناطيسي أو القسطرة القلبية يُظهر الحقيقة: الشرايين التاجية سليمة، لكن عضلة القلب ضعيفة مؤقتًا.

وهنا يُحسم التشخيص بأنه ليس احتشاء في عضلة القلب، بل تاكوتسوبو – متلازمة القلب المنكسر.

العلاج يبدأ من النفس.. وليس فقط من الدواء

لا يتطلب الأمر تدخلًا جراحيًا معقدًا، بل الراحة النفسية والدعم العاطفي يأتيان في مقدمة العلاج. وتُستخدم أحيانًا أدوية لضبط ضغط الدم أو تهدئة القلب مثل حاصرات بيتا، إضافة إلى مدرات البول إذا وُجد احتقان.

وفي معظم الحالات، يكون الشفاء كاملاً خلال فترة لا تتجاوز ثلاثة إلى أربعة أسابيع. لكن في بعض الحالات النادرة، قد تتطور

الحالة إلى مضاعفات مثل قصور القلب الحاد أو اضطرابات خطيرة في نظم القلب، ما يستدعي رعاية طبية دقيقة.

هل من سبيل للوقاية؟

لا توجد حتى الآن طريقة مؤكدة لتجنّب الإصابة، ولكن التحكّم بالتوتر النفسي وتعلّم آليات المواجهة النفسية يمثلان حجر الأساس في الوقاية. كما أن وجود شبكة دعم اجتماعي قوي يساعد المرأة، خاصة في المراحل الحرجة من العمر، على تخطي الصدمات دون أن يُصاب قلبها حرفيًا بالأذى.

الوعي هو خط الدفاع الأول

يبقى التحدي الأكبر في هذه المتلازمة هو قلة الوعي بها، حتى في بعض الأوساط الطبية. ما يجعل من الضروري نشر المعرفة حول هذه الحالة، خصوصًا في صفوف النساء اللواتي قد يختبرن أعراضًا قلبية بعد مواقف نفسية، ويظنن أنها مجرد انفعالات عابرة.

وينبغي لكل امرأة، لا سيما بعد سن الخمسين، أن تُصغي لجسدها جيدًا، وألّا تتجاهل أي علامة غير مألوفة في الصدر أو التنفس أو نبض القلب، حتى وإن بدت عابرة.

في الختام: القلب قد يُصاب بالحزن فعلًا

متلازمة القلب المنكسر ليست حكاية رمزية، بل واقع طبي يربط بين الروح والجسد بشكل لم يكن مألوفًا من قبل. هي حالة تُذكّرنا أن الألم النفسي لا يبقى حبيسًا في الخيال أو الدموع، بل قد يتسلل إلى أعمق عضو في جسدنا – القلب.

ولأن

النساء هنّ الأكثر عرضة، فإن التوعية والدعم والرعاية النفسية لا تُعدّ ترفًا، بل ضرورة صحية تمسّ الحياة.

تم نسخ الرابط