العلاج بالطبيعة: كيف تؤثر المساحات الخضراء على عقلك؟

لمحة نيوز

في هذه المقالة نستعرض أثر “العلاج بالطبيعة” أو التعرض للمساحات الخضراء على الصحة العقلية والوظائف الدماغية، معتمدين على دراسات علمية رصينة. أشارت الأبحاث إلى أن التواجد في البيئات الخضراء يقلل من مستويات القلق والاكتئاب، ويحسّن المزاج العام عن طريق تنظيم هرمون الكورتيزول المسبب للتوتر. بالإضافة إلى ذلك، كشفت دراسات باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي أن قضاء وقت في الطبيعة يزيد من حجم القشرة الجبهية الظهرية الجانبية، المسؤولة عن الذاكرة العاملة والتخطيط واتخاذ القرارات . سنتناول فيما يلي الفوائد النفسية، والفوائد العصبية، والآليات المقترحة، بالإضافة إلى بعض التطبيقات العملية للعلاج بالطبيعة.

تشتهر المدن بارتفاع مستويات الضغوط النفسية نتيجة الضوضاء والزحام والملوثات، ما يفاقم من حالات القلق والاكتئاب بين السكان . في المقابل، أظهرت الأبحاث أن زيادة المساحات الخضراء ضمن البيئة العمرانية مرتبط بانخفاض استخدام خدمات

الصحة النفسية وزيارات الأطباء العامين . من هنا برز مفهوم “العلاج بالطبيعة” كنهج تكميلي للعلاجات التقليدية من خلال إعادة التواصل مع البيئات الطبيعية.

الفوائد النفسية

تقليل التوتر والقلق

أظهرت تجربة سريرية أن الجلوس في حديقة خضراء لمدة 20 دقيقة يقلل مستويات الكورتيزول، هرمون التوتر، بشكل ملحوظ مقارنة بالجلوس في بيئة حضرية جافة . ويؤكد مسح لـ 25 مشاركًا أن التعرض المنتظم للمساحات الخضراء يرتبط بانخفاض ملامح القلق والاكتئاب وزيادة الشعور بالرفاهية النفسية .

تحسين المزاج العام

تُظهر مراجعة منهجية أن المشي في الغابات أو الجلوس بين الأشجار يحسّن المزاج ويعزّز مشاعر السعادة، مع تقارير عن خفض نسبة التفكير المتكرر السلبي (Rumination) . ويلعب هذا الدور الوقائي دورًا مهمًا في تعزيز الصحة النفسية بعيدًا عن الأدوية التقليدية.

الفوائد العصبية

تعزيز الوظائف المعرفية

تفيد الدراسات بأن التفاعل مع المناظر الطبيعية

الطبيعية يعزّز الأداء المعرفي، لا سيما الوظائف التنفيذية كالمهارات التخطيطية والتركيز والمرونة الذهنية .

تغييرات هيكلية في الدماغ

من خلال دراسات رنين مغناطيسي، تبين أن الأفراد الذين يقضون وقتًا أطول في الطبيعة لديهم زيادة في حجم القشرة الجبهية الظهرية الجانبية، وهو ما يرتبط بتحسين الذاكرة العاملة واتخاذ القرار .

الآليات المقترحة

نظرية الاستعادة الانتباهية

تقترح هذه النظرية أن الطبيعة تحفّز “الانتباه غير الإرادي” مما يخفف من إرهاق “الانتباه الموجّه”، ويحسّن القدرة على التركيز عند العودة إلى المهام المترفة .

نظرية البيوفيليا

تفترض وجود ميل فطري لدى البشر للتواصل مع الكائنات الحية، ما يولّد شعورًا بالراحة والاسترخاء النفسي عند التعرض للطبيعة .

تطبيقات عملية

العلاج بالحدائق (Horticultural Therapy): أظهرت تجربة أنشطة الزراعة والبستنة تحسّن مستويات الكورتيزول وتقلل الرغبة في السلوكيات الإدمانية لدى

مرضى اضطرابات ما بعد الصدمة والاكتئاب .

العلاج بالمشي في الطبيعة: برامج مثل “Dose of Nature” في لندن تُحوّل تفسّخ الرعاية النفسية التقليدية إلى جلسات في الهواء الطلق بإشراف مرشدين مختصين، أظهرت تقليلًا بنسبة 40% في زيارات المرضى للأطباء العامين .

تصميم المساحات الخضراء في المدن: ينصح تخطيط المدن بإدراج حدائق وممرات مظللة بالأشجار لتوفير “جرعات” يومية من الطبيعة للسكان، ما يعود بفائدة اقتصادية من خلال خفض التكاليف الصحية .
خاتمة

يعد العلاج بالطبيعة وسيلة فعّالة ومكلفة أقل مقارنة بالعلاجات التقليدية، وله تأثيرات مثبتة على الصحة النفسية والدماغية من خلال تقليل التوتر والقلق، وتحسين الوظائف المعرفية، وتغيير بنية الدماغ لصالح مناطق الاسترخاء والتخطيط. وتدعم نظريات مثل الاستعادة الانتباهية والبيوفيليا الآليات الكامنة خلف هذه الفوائد. لذا، يُوصى بدمج المشي والجلوس في الحدائق، وتنظيم جلسات زراعية علاجية، وتخطيط المدن

لاستيعاب المزيد من المساحات الخضراء من أجل مجتمع أكثر صحة ورفاهية.

تم نسخ الرابط