علماء الفلك يرصدون إشارات راديو غريبة تتكرر كل 16 يومًا
لغز كوني يتكرر كل 16 يومًا: علماء الفلك يرصدون إشارات راديوية غامضة من أعماق الفضاء
في عالم يزداد فيه فهمنا للكون توسعًا، لا تزال هناك ظواهر كونية ترفض الانصياع للتفسيرات التقليدية. إحدى الظواهر التي أثارت دهشة الأوساط العلمية مؤخرًا هي اكتشاف إشارات راديوية غريبة ومتكررة تصدر من مجرّة نائية، وتتم بدقة دورية كل 16.35 يومًا، وهو ما دفع علماء الفلك إلى البحث بجدية عن تفسير لهذا السلوك غير المعتاد.التساؤل: هل نحن أمام ظاهرة طبيعية نادرة؟ أم أن هناك شيئًا آخر في انتظار اكتشافه؟
في هذا التقرير الخاص، نأخذ القارئ في رحلة علمية مشوقة إلى حدود الكون المجهول، نستعرض فيها الحقائق، التفسيرات، والاحتمالات... دون مبالغة أو خيال علمي مفرط، بل بالاستناد إلى ما كشفه العلم حتى الآن.
إشارات FRB: لغز القرن الحادي والعشرين
وقد بدأت القصة مع ما يُعرف باسم الاندفاعات الراديوية السريعة (Fast Radio Bursts - FRBs)، وهي نبضات راديوية فائقة القِصر لا تدوم سوى أجزاء من الألف من الثانية، تنبعث من أعماق الكون، وقد تم رصد أولى هذه الإشارات في عام 2007، لتفتح بابًا واسعًا من التساؤلات والاكتشافات. FRB في عام 2007، ومنذ ذلك الحين تم رصد العشرات منها، أغلبها غير متكررة.
لكن
يقول الدكتور أندرو سيميون، أحد أبرز علماء الفلك في معهد SETI المتخصص في البحث عن حياة ذكية خارج الأرض:
"إنها أول مرة نرصد فيها إشارة FRB بهذا الانتظام الزمني، وهذا ما يجعلها استثنائية ومقلقة في آنٍ واحد."
ما مصدر الإشارة؟
المصدر يُعرف حاليًا بـ FRB 180916.J0158+65، ويقع في مجرة حلزونية تبعد عنا حوالي 500 مليون سنة ضوئية، وهي من أقرب مواقع FRBs المكتشفة حتى الآن، مما يسمح بدراستها بدقة أكبر.
ما يجعل هذه الإشارة مميزة ليس فقط تكرارها المنتظم، بل هيكلها الزمني الغريب: فالإشارة تنشط لمدة 4 أيام، ثم تختفي لمدة 12 يومًا، وتعود من جديد بنفس النمط، وكأنها نبض كوني خفي.
هل هناك تفسير علمي؟
الفرضيات المطروحة كثيرة، وكلها تدور في فلك الاحتمال، دون وجود دليل قاطع بعد:
نجم نيوتروني في مدار ثنائي:
أحد التفسيرات يفترض أن الإشارة تأتي من نجم نيوتروني – جسم فائق الكثافة ناتج عن انفجار نجم ضخم – يدور حول نجم آخر في مدار يجعل الإشارات مرئية لنا فقط في فترة معينة من الدورة
مغناطار ذو نشاط دوري:
المغناطار (Magnetar) هو نوع خاص من النجوم النيوترونية ذات الحقول المغناطيسية الهائلة. ربما يمر هذا المغناطار بدورات نشاط كل 16 يومًا، ما يفسر النمط المتكرر.
حجب دوري من قرص مادي:
ربما هناك غيوم كثيفة من الغبار أو المواد تحجب الإشارة على فترات، مما يخلق نمط "الظهور والاختفاء" الذي نرصده.
هل نحن وحدنا؟ سؤال لا يموت
رغم أن العلماء يتحفظون كثيرًا على ربط الظواهر الكونية بالحياة الذكية، فإن هذا النمط المنظم دفع البعض إلى إعادة فتح الباب أمام السؤال الأزلي: هل هناك حضارات ذكية تبعث لنا رسائل من بعيد؟
يقول الدكتور سيث شوستاك، الباحث المخضرم في SETI:
"لن نقفز إلى استنتاجات فضائية، لكن أي شيء يتكرر بهذا الانتظام يدفعنا على الأقل للتفكير في جميع الاحتمالات."
ويضيف:
"قد تكون هذه الرسائل مجرد ظواهر طبيعية، أو قد تكون تكنولوجيا متقدمة لجهة ما، في مكان ما... لا نعرف بعد."
تأثير الخبر على المجتمع العلمي والجمهور
الخبر انتشر كالنار في الهشيم، ليس فقط في المجلات العلمية، بل في وسائل الإعلام العامة التي التقطت جانب الإثارة فيه. لكن ما يُحسب للمجتمع العلمي أنه حافظ على توازنه، مؤكدًا أن عدم وجود تفسير لا يعني وجود
ورغم ذلك، فإن هذه الظاهرة أطلقت موجة جديدة من الأبحاث والتعاونات بين المراصد في مختلف دول العالم، خصوصًا أن التكنولوجيا باتت اليوم أكثر قدرة على مراقبة السماء لحظة بلحظة.
ما التالي؟
يستعد العلماء حاليًا لرصد المزيد من الدورات القادمة لإشارة FRB 180916، وربما إشارات أخرى مماثلة في مناطق مختلفة من الكون. وتعمل فرق بحثية متعددة على تطوير خوارزميات ذكاء صناعي لتحليل الإشارات تلقائيًا والبحث عن أنماط مشابهة ربما فاتتنا في أرشيف البيانات القديم.
في الوقت نفسه، تدعو بعض الجهات إلى مضاعفة تمويل برامج مثل SETI، التي تركز على التقاط الإشارات المحتملة من حضارات أخرى، في وقت أصبح فيه العلم والتكنولوجيا أكثر استعدادًا من أي وقت مضى لاستقبال ما قد يأتي من هناك.
خاتمة: صمت الكون... لا يعني أنه فارغ
تلك الإشارات التي تصلنا على شكل ومضات راديوية صامتة، تذكرنا دائمًا أن الكون ما زال يخفي الكثير من الأسرار. وإن كنا نعيش على كوكب صغير في زاوية من مجرة هائلة، فإننا نملك العقل والخيال والفضول، وهي أدوات كافية لفهم الرسائل التي قد يكون الكون يهمس بها إلينا.
فهل ستكون FRB 180916 هي المفتاح الأول نحو فهم أعظم
الزمن وحده... سيجيب.