دراسة طبية جديدة تربط التعرض طويل الأمد لتلوث الهواء بزيادة خطر انسداد الشرايين وأمراض القلب

لمحة نيوز

أصبح تلوث الهواء في السنوات الأخيرة  قضية  صحية  تتجاوز بكثير الصورة  التقليدية  المرتبطة  بدخان المصانع وعوادم المركبات. فمع تزايد الدراسات والأبحاث الطبية   بات واضحا أن تأثير الهواء الملوث لا يقتصر على الرئتين والجهاز التنفسي فحسب  بل يمتد إلى القلب والأوعية  الدموية   ليضع ملايين الأشخاص حول العالم أمام مخاطر صحية  قد تتطور بصمت على مدى سنوات طويلة .
وتشير الأبحاث الحديثة  إلى أن الجسيمات الدقيقة  العالقة  في الهواء  وعلى رأسها الجسيمات المعروفة  باسم PM2.5  تعد من أكثر الملوثات إثارة  للقلق. فهذه الجسيمات الصغيرة  جدا تستطيع الوصول إلى أعماق الجهاز التنفسي بسهولة   ولا يتوقف تأثيرها عند هذا الحد  إذ تسمح أحجامها المتناهية  الصغر بعبور الحواجز الطبيعية  والانتقال إلى مجرى الدم  حيث تبدأ سلسلة  من التفاعلات الحيوية  داخل الجسم.
وتوضح النتائج العلمية  أن التعرض المستمر لهذه الجسيمات يؤدي إلى حالة  التهابية  مزمنة

 منخفضة  الشدة   قد لا يشعر بها الإنسان بشكل مباشر  لكنها تترك آثارا متراكمة  على جدران الأوعية  الدموية . ومع استمرار هذا الالتهاب تتأثر كفاءة  الأوعية  تدريجيا  وتزداد فرص تراكم الدهون والكوليسترول داخلها  وهو ما يمهد الطريق لتطور تصلب الشرايين بمرور الوقت.
ويعد تصلب الشرايين من الأمراض التي تتشكل ببطء شديد  إذ تستغرق عملية  تراكم الترسبات الدهنية  داخل جدران الأوعية  سنوات طويلة . وخلال هذه الفترة  يسهم الالتهاب الناتج عن التلوث في تسريع التغيرات التي تفقد الشرايين مرونتها الطبيعية  وتجعلها أكثر عرضة  للتضيق أو الانسداد  ما قد ينتهي بالإصابة  بنوبة  قلبية  أو سكتة  دماغية  في مراحل لاحقة .
كما دعمت مراجعات علمية  واسعة  العلاقة  بين التعرض المزمن لتلوث الهواء وارتفاع معدلات الإصابة  بأمراض القلب الإقفارية   وهي الحالات التي تنتج عن انخفاض تدفق الدم إلى عضلة  القلب بسبب تضيق الشرايين أو انسدادها. وأظهرت البيانات
كذلك أن الارتفاعات البسيطة  حتى في مستويات الجسيمات الدقيقة  يمكن أن تنعكس سلبا على صحة  السكان  من خلال زيادة  مخاطر الوفاة  المرتبطة  بأمراض القلب وارتفاع احتمالات الإصابة  بمضاعفات مثل قصور القلب.
ولا تتوقف آثار التلوث عند انسداد الشرايين فقط  فهناك مجموعة  من المشكلات القلبية  والوعائية  التي ترتبط به أيضا  من بينها ارتفاع ضغط الدم بصورة  مزمنة   واضطراب وظيفة  البطانة  الداخلية  للأوعية  الدموية   وزيادة  قابلية  الدم للتجلط  وتسارع تكلس الشرايين  إضافة  إلى تراجع كفاءة  عضلة  القلب على المدى البعيد. وهذه التغيرات مجتمعة  ترفع العبء على الجهاز القلبي الوعائي وتزيد من احتمالات حدوث مضاعفات خطيرة  لدى الفئات الأكثر حساسية .
وتشير المعطيات الطبية  إلى أن تأثير تلوث الهواء لا يظهر بالدرجة  نفسها لدى الجميع  فهناك فئات أكثر عرضة  للتأثر  أبرزها كبار السن ومرضى السكري وارتفاع ضغط الدم  إلى
جانب الأشخاص الذين يقيمون لفترات طويلة  بالقرب من مصادر الانبعاثات أو في المناطق ذات الكثافة  المرورية  المرتفعة . 
ومع تزايد الأدلة  العلمية  حول هذه العلاقة   يرى خبراء الصحة  العامة  أن تلوث الهواء لم يعد مشكلة  بيئية  منفصلة  عن القطاع الصحي  بل أصبح تحديا يؤثر بشكل مباشر على أنظمة  الرعاية  الصحية  في مختلف الدول. فارتفاع معدلات أمراض القلب المرتبطة  بالعوامل البيئية  يعني مزيدا من الضغط على المستشفيات والخدمات الطبية   في حين أن تحسين جودة  الهواء يمكن أن يسهم في خفض نسب الإصابة  بهذه الأمراض وتحسين صحة  المجتمعات بشكل عام.
ومع استمرار التعرض اليومي للهواء الملوث في كثير من المدن حول العالم  تتعزز القناعة  العلمية  بأن تلوث الهواء ليس خطرا مستقبليا بعيدا  بل عاملا حاضرا يشارك في تشكيل خريطة  أمراض القلب عالميا. فهل تنجح الجهود البيئية  والصحية  في الحد من هذا التهديد المتنامي؟ السنوات القادمة  ستحمل الإجابة
.

تم نسخ الرابط