دراسة صحية حديثة تكشف مؤشرات جديدة حول عوامل تؤثر في صحة الإنسان وتدفع الأطباء لتحديث التوصيات الطبية

لمحة نيوز

سادت خلال السنوات الأخيرة  قناعة  واسعة  بأن الجينات هي العامل الأكثر حسما في تحديد صحة  الإنسان ومستقبلها  لكن دراسة  علمية  حديثة  جاءت لتعيد النظر في هذه الفكرة  وتطرح صورة  مختلفة  إلى حد كبير. فبحسب النتائج التي توصل إليها الباحثون  يبدو أن نمط الحياة  والظروف البيئية  المحيطة  بالفرد قد يملكان تأثيرا أعمق مما كان يعتقد سابقا  بل إن أثرهما في بعض الحالات قد يتجاوز تأثير الاستعدادات الوراثية  نفسها. وهذه النتائج تفتح نقاشا واسعا حول الطريقة  التي تبنى بها التوصيات الصحية  المتداولة  اليوم.
واعتمدت الدراسة  على تحليل كم هائل من البيانات الصحية  التي جمعت من مئات الآلاف من الأشخاص  بهدف فهم الكيفية  التي تتشكل بها المخاطر الصحية  عبر مراحل الحياة  المختلفة . ولم يقتصر الأمر على متابعة  التاريخ الطبي للمشاركين  بل امتد ليشمل تفاصيل مرتبطة  بسلوكهم اليومي وظروفهم المعيشية  والاجتماعية   ما أتاح للباحثين رؤية  أكثر اتساعا وتعقيدا للصورة  كاملة

.
ومن خلال واحدة  من أكبر قواعد البيانات الصحية  طويلة  الأمد في العالم  جرى فحص أكثر من مئة  متغير مختلف له علاقة  مباشرة  أو غير مباشرة  بصحة  الإنسان. وشملت هذه المتغيرات جودة  الغذاء  ومستوى النشاط البدني  وأنماط النوم  إضافة  إلى عوامل مثل الدخل  وطبيعة  السكن  والتعرض المستمر للضغوط النفسية . وكان الهدف معرفة  مقدار مساهمة  كل عامل في احتمالات الإصابة  بالأمراض المزمنة  أو الوفاة  المبكرة   ومقارنة  ذلك بما تفسره العوامل الجينية .
وفي سياق هذا العمل  تبنى الباحثون مفهوما علميا يعرف باسم "البيئة  الشاملة "  وهو مفهوم ينظر إلى صحة  الإنسان باعتبارها حصيلة  تراكم طويل من التأثيرات المختلفة  التي يمر بها منذ بداية  حياته وحتى مراحل الشيخوخة . فالصحة   وفق هذا التصور  لا تتحدد بسبب واحد أو عامل منفرد  وإنما تتشكل نتيجة  تفاعل مستمر بين العادات اليومية  والظروف المعيشية  والعوامل البيئية  المتنوعة  التي ترافق الإنسان
على مدى سنوات طويلة .
النتائج التي خرجت بها الدراسة  كانت لافتة  بالفعل. فقد أظهرت أن بعض السلوكيات اليومية   مثل التدخين والخمول البدني  تأتي ضمن أكثر العوامل السلبية  تأثيرا على الصحة  العامة . كما تبين أن الظروف الاجتماعية  والمعيشية  ليست مجرد عوامل جانبية   بل ترتبط بصورة  مباشرة  بزيادة  احتمالات الإصابة  بالأمراض المزمنة . كذلك ارتبطت التغذية  غير المتوازنة  والضغوط النفسية  المستمرة  بتسارع التراجع الصحي مع مرور الوقت  في حين أوضحت البيانات أن عددا كبيرا من الفروقات في العمر المتوقع والحالة  الصحية  بين الأشخاص يمكن تفسيره بعوامل قابلة  للتغيير والتعديل.
والأكثر إثارة  للاهتمام أن التأثير التراكمي لهذه العوامل بدا  في كثير من الحالات  أقوى من التأثير المرتبط بالاستعداد الوراثي  خاصة  عندما يتعلق الأمر بالأمراض التي ترتبط بأسلوب الحياة  اليومي.
كما أولت الدراسة  اهتماما خاصا بما يعرف بالشيخوخة  البيولوجية   وهو مفهوم يختلف عن العمر الزمني المعتاد  إذ
يركز على العمر الفعلي لخلايا الجسم ومدى تقدمها في السن. واستخدم الباحثون مؤشرات بيولوجية  دقيقة  لرصد سرعة  هذه العملية  على المستوى الخلوي  ثم ربطوها بالعوامل البيئية  والمعيشية  المختلفة .
وأظهرت النتائج أن التعرض المزمن للضغوط النفسية   أو المعاناة  من ضعف الدخل  أو الاستمرار في التدخين  قد يسرع مظاهر الشيخوخة  البيولوجية  بشكل واضح  حتى لدى أشخاص لا تظهر عليهم أمراض معروفة  أو مشكلات صحية  كبيرة . وهو ما يشير إلى أن التأثيرات الخفية  للبيئة  قد تبدأ قبل ظهور الأعراض بسنوات.
ومع تزايد الاهتمام بهذا الاتجاه البحثي  تتعزز أهمية  الوقاية  أكثر من أي وقت مضى. فتحسين ظروف المعيشة   والحد من العوامل الضارة   وتشجيع السلوكيات الصحية  منذ المراحل المبكرة  من العمر  قد يكون له أثر طويل المدى يفوق ما كان يعتقد سابقا. وربما يحمل هذا التوجه ملامح مرحلة  جديدة  في الطب  مرحلة  يصبح فيها فهم البيئة  المحيطة  بالإنسان جزءا لا ينفصل عن فهم صحته ومستقبله.

تم نسخ الرابط