رجل يزرع غابة بمفرده على مدى عقود قصة إصرار وحب للطبيعة
في وقت تتسارع فيه وتيرة التدهور البيئي عالميا وتعقد المؤتمرات حول سبل الحفاظ على الطبيعة برز رجل هندي بسيط يدعى جاداف مولاي باينغ ليقدم للعالم درسا عمليا في الإصرار والوعي البيئي عبر مشروع فردي استمر لأكثر من 40 عاما تمثل في زراعة غابة شاسعة بمفرده شجرة تلو الأخرى حتى تحولت أرض جرداء إلى واحة خضراء نابضة بالحياة.
ولد جاداف عام 1963 في ولاية آسام شمال شرقي الهند وهي منطقة تعاني من الفيضانات الموسمية وتآكل التربة. في عام 1979 شهد الشاب حادثة مؤلمة حين جرفت الفيضانات عددا هائلا من الأشجار من ضفاف نهر براهما بوترا تاركة وراءها أرضا قاحلة مهددة بالتصحر وبيئة مدمرة غير صالحة للحياة النباتية أو الحيوانية.
كانت تلك اللحظة نقطة تحول في حياة جاداف. وبينما اكتفى كثيرون بالحزن أو الانتقاد قرر أن يبدأ بمفرده مهمة استصلاح الأرض وإحيائها من جديد... بزرع الأشجار.
في البداية حمل جاداف حفنة من شتلات البامبو وبعض الأدوات البدائية وبدأ في
كل يوم كان يسير كيلومترات مشيا على الأقدام ويغرس بيديه شجرة تلو الأخرى ثم يعود في اليوم التالي ليرويها ويعيد الكرة دون كلل أو ملل ودون أن ينتظر شكرا أو اعترافا.
استمر على هذا النمط يوميا لسنوات غير آبه بالسخرية التي لاحقته من بعض السكان المحليين الذين رأوا جهوده مضيعة للوقت.
مرت السنوات وبدأت البذور تؤتي أكلها. الأشجار نمت الطيور عادت والحياة البرية بدأت تستعيد وجودها تدريجيا. وبحلول العقد الثالث من عمله كانت المساحة التي زرعها قد تجاوزت 550 فدانا أي ما يعادل مساحة 400 ملعب كرة قدم.
الغابة التي سميت لاحقا غابة مولاي تيمنا باسمه أصبحت اليوم موطنا لأكثر من 100 ألف شجرة من أنواع متنوعة تشمل التكتونا الأكاسيا الماهوغاني والخيزران إضافة إلى أشجار الفاكهة المحلية. كما أصبحت مأوى
ظلت قصة جاداف مجهولة لسنوات طويلة حتى عام 2007 حين اكتشف صحفي محلي الغابة وأجرى تقريرا عنها مما لفت الأنظار إلى هذا الإنجاز الفريد. سرعان ما انتشرت القصة عالميا وتحول جاداف إلى رمز للنضال البيئي الفردي.
في عام 2015 كرمته الحكومة الهندية بمنحه وسام بادما شري رابع أعلى وسام مدني في البلاد تقديرا لمساهمته البيئية التي لم تحققها حتى برامج حكومية كاملة.
كما تم إنتاج أفلام وثائقية حول قصته أبرزها الفيلم الأميركي القصير Forest Man والذي سلط الضوء على الجهد الفردي الاستثنائي الذي بذله لإنقاذ بيئة مهددة.
ما يميز جاداف ليس فقط إنجازه بل أيضا فلسفته العميقة تجاه الأرض والطبيعة. فهو لا يعتبر الأشجار كائنات صامتة بل كائنات لها روح كما يصفها ويؤمن بأن الطبيعة تمنح الإنسان ما يستحقه بناء على مدى صدقه في التعامل معها.
يقول جاداف
الأرض
رغم شهرته العالمية لا يزال يعيش في كوخ بسيط على أطراف الغابة يعتني بأشجاره كما يعتني الأب بأطفاله بعيدا عن أضواء الإعلام وضجيج المدن.
قصة جاداف باينغ لم تعد مجرد إنجاز بيئي فردي بل أصبحت مصدر إلهام عالمي للحركات البيئية وللشباب في مختلف أنحاء العالم. فقد أثبت أن التغيير لا يتطلب جيوشا من العاملين ولا ميزانيات ضخمة بل فقط شغف صبر والتزام.
تحولت غابته إلى نموذج يدرس في كليات البيئة ومحطة بحث علمي لعلماء الأحياء ومقصد سياحي بيئي في الهند كما أنها ساهمت في تحسين المناخ المحلي والحد من الانجراف والتصحر.
حين سئل جاداف يوما عن أمنيته الكبرى قال
لو زرع كل إنسان شجرة واحدة فقط سيكون لدينا كوكب أخضر يستحق الحياة.
هكذا ومن دون أدوات متقدمة أو دعم رسمي استطاع رجل واحد أن يعيد التوازن إلى بقعة كانت على شفا الفناء. قصة جاداف باينغ لا تروى لتمجيد بطل بل لتذكيرنا