GPSعلى القمر: شركة إسبانية تطلق نظام الملاحة القمري

لمحة نيوز

نظام GPS على القمر: شركة إسبانية تطلق أول نظام ملاحة قمري في العالم

في إنجاز يُعدّ الأول من نوعه في تاريخ الملاحة الفضائية، كشفت شركة إسبانية ناشئة عن مشروع طموح لإنشاء نظام تحديد مواقع عالمي (GPS) مخصص للقمر، ما يمهّد الطريق لعصر جديد من الاستكشاف الفضائي، ويُعزّز جاهزية البنية التحتية لدعم المهام القمرية المستقبلية. الخطوة التي بدت في الماضي خيالاً علميًا، أصبحت اليوم واقعًا بفضل جهود شركة "لوكاريو" الإسبانية، بالتعاون مع وكالة الفضاء الأوروبية (ESA).

 من الأرض إلى القمر: ضرورة ملحّة لنظام ملاحة مستقل

بينما نعتمد على أنظمة GPS يوميًا على كوكب الأرض، فإن الملاحة في الفضاء، وخاصة على سطح القمر، لا تزال محدودة وتعتمد بشكل كبير على الحسابات اليدوية والإشارات الأرضية. ولكن مع تزايد الخطط الدولية للعودة إلى القمر—منها برنامج "أرتميس" الأمريكي ومشاريع فضائية صينية وهندية وأوروبية—برزت الحاجة إلى نظام ملاحة مستقل يُستخدم في تحديد المواقع على سطح القمر بدقة وكفاءة.

وتكمن أهمية هذا النظام في تسهيل حركة المركبات القمرية، والمستكشفين الروبوتيين، وحتى رواد الفضاء في المستقبل، لا سيما مع الطموحات ببناء مستوطنات بشرية دائمة هناك.

 شركة "لوكاريو": ريادة أوروبية بتوقيع إسباني

شركة "لوكاريو" (Lukario Space)، التي تتخذ من

مدريد مقرًا لها، أعلنت عن المشروع خلال مؤتمر تقني أوروبي في بروكسل، حيث كشفت عن خطة طموحة لإطلاق أربعة أقمار صناعية صغيرة إلى مدار حول القمر بحلول عام 2027. وستكون هذه الأقمار قادرة على إرسال إشارات مستمرة تُتيح تحديد المواقع بدقة تصل إلى متر واحد على سطح القمر.

وقال الرئيس التنفيذي للشركة، إنريكي دومينغيز، في كلمته بالمؤتمر: "نريد أن نجعل من القمر فضاءً يمكن التنقل فيه بسهولة وبدقة، تمامًا كما نفعل على الأرض. هذه خطوة حاسمة نحو بناء اقتصاد قمري مستدام."

دعم من وكالة الفضاء الأوروبية وتمويل متصاعد

يحظى المشروع بدعم جزئي من وكالة الفضاء الأوروبية، التي ترى في هذه المبادرة أساسًا لبناء بنية تحتية موثوقة لدعم البعثات القمرية الأوروبية والأجنبية. كما أعلنت الشركة أنها حصلت على تمويل مبدئي بقيمة 30 مليون يورو، في حين تجري مفاوضات لجذب استثمارات إضافية من صناديق أوروبية خاصة.

وأكد متحدث باسم وكالة الفضاء الأوروبية أن "وجود نظام ملاحة قمري هو عامل ضروري لتحقيق الاستقلالية في العمليات الفضائية المستقبلية، وتقليل الاعتماد على الأنظمة الأرضية."

كيف يعمل النظام القمري الجديد؟

يعتمد النظام الجديد على مبدأ مشابه لأنظمة GPS الأرضية، لكنه مُعدل ليتناسب مع طبيعة المدار القمري ومحدودية البنية التحتية الفضائية الحالية. ستقوم الأقمار الأربعة

بالدوران حول القمر في مسارات محسوبة بدقة، وتبث إشارات مُشفّرة يمكن استقبالها من المركبات والمستكشفات على السطح.

وسيكون النظام مزوّدًا بخوارزميات تعويض خاصة للتعامل مع الفوارق في الجاذبية والكتلة القمرية، بالإضافة إلى دعم تقني من مراكز تحكم أرضية في أوروبا.

ومن المتوقع أن يُوفّر هذا النظام تغطية شاملة لما لا يقل عن 80% من سطح القمر، بما في ذلك المناطق القطبية الجنوبية التي تستهدفها بعثات مأهولة في المستقبل القريب.

 ردود فعل دولية: إشادة وترقب

قوبل الإعلان بحفاوة في الأوساط العلمية والتقنية، حيث اعتبره خبراء الفضاء نقلة نوعية في تطوير البنية التحتية الفضائية. وعلّق رائد الفضاء الإيطالي لوكا بارميتانو قائلاً: "وجود GPS على القمر لم يعد ترفًا، بل أصبح ضرورة لسلامة البعثات المستقبلية. خطوة شركة لوكاريو رائعة وشجاعة."

كما أبدت وكالة "ناسا" الأمريكية اهتمامها بالمشروع، دون أن تُعلن رسميًا عن شراكة محتملة، مكتفية بالإشارة إلى أن "أي بنية تحتية موثوقة على سطح القمر هي موضع ترحيب".

من جهتها، بدأت شركات فضاء خاصة مثل "أستروبوتيك" و"بلو أوريجين" في دراسة إمكانية دمج النظام القمري الجديد في مركباتها المستقبلية، ما قد يُمهد لتعاون تجاري واسع النطاق.

تحديات في الأفق

رغم الحماس الكبير، فإن المشروع يواجه عدة تحديات تقنية ولوجستية.

أولها يتمثل في ضمان دقة الإشارات في بيئة القمر المختلفة تمامًا عن الأرض، بالإضافة إلى كيفية التعامل مع الفترات الطويلة من الظلام وانعدام الغلاف الجوي.

كما أن عملية إطلاق ونشر الأقمار الصناعية إلى مدار قمري ليست سهلة ولا مضمونة، إذ تتطلب تنسيقًا مع وكالات إطلاق ومهام فضائية معقدة ومكلفة.

ومع ذلك، يبدو أن "لوكاريو" مصمّمة على المضي قدمًا، مؤكدة أن المرحلة التالية ستكون اختبارًا ميدانيًا لنموذج أولي في مهمة فضائية غير مأهولة بحلول منتصف عام 2026.

 إلى أين تمضي البشرية بعد ذلك؟

مع إطلاق هذا النظام، تفتح البشرية فصلًا جديدًا في علاقتها مع الفضاء، حيث لم يعد القمر مجرد محطة للزيارة، بل موقعًا تُبنى فيه بنية تحتية دائمة، تدعم الاقتصاد والتكنولوجيا والتوسع البشري خارج الأرض.

وإذا ما كُتب النجاح لهذا النظام، فقد نرى خلال العقد المقبل خرائط قمرية دقيقة، وتطبيقات ملاحة فضائية مشابهة لتلك التي نستخدمها على هواتفنا اليوم، تقود الرواد والمركبات عبر تضاريس القمر الوعرة، وترسم ملامح مستقبل جديد في الفضاء.

 المشروع الإسباني لتركيب نظام GPS على القمر ليس فقط سبقًا تقنيًا بل هو خطوة استراتيجية باتجاه بناء "مجتمع قمري" مزدهر، مدعوم بالبنية التحتية اللازمة للملاحة والاتصال. وإذا نجح، فسيُدخل البشرية عصرًا جديدًا من الاستقلالية الفضائية

والدقة التقنية، ويُكرّس أوروبا لاعبًا رئيسيًا في مستقبل الفضاء.

تم نسخ الرابط