تطبيق قواعد علم النفس المعرفي في تنظيم المهام اليومية يثبت كفاءته في الحد من ظاهرة الاحتراق المهني داخل بيئات العمل الهجينة

لمحة نيوز

يشهد عالم العمل خلال السنوات الأخيرة تغيرات متسارعة، ومعها لم يعد الاحتراق المهني مرتبطًا فقط بطول ساعات الدوام أو كثرة المسؤوليات، بل أصبح يرتبط أكثر بالطريقة التي يدير بها الموظف انتباهه وطاقته الذهنية وسط سيل لا يتوقف من الإشعارات والمقاطعات الرقمية وتعدد المهام. ومع توسع نموذج العمل الهجين الذي يجمع بين العمل من المنزل والحضور إلى المكتب، اتجهت المؤسسات للبحث عن حلول مختلفة تتجاوز الأساليب التقليدية، فبرز علم النفس المعرفي باعتباره أحد المجالات التي تساعد على فهم طريقة تعامل الدماغ مع المهام اليومية، وكيف يمكن لتنظيم العمل وإعادة ترتيب الأولويات أن يخففا الضغط الذهني ويحدا من الوصول إلى مرحلة الإرهاق المهني.

علم النفس المعرفي أصبح من أكثر المجالات التي يلتفت إليها المختصون في تطوير بيئات العمل الحديثة. فالدراسات الحديثة في علم

النفس التنظيمي تشير إلى أن توزيع المهام خلال اليوم لا يقل أهمية عن عددها، إذ إن الشعور بالإجهاد لا ينتج دائمًا عن كثرة الأعمال، وإنما عن كثرة التنقل بينها، وتتابع القرارات التي يفرضها يوم العمل، ومدى إحساس الموظف بأنه يسيطر على جدول أعماله. لذلك لم يعد تقييم الإنتاجية يعتمد على عدد الساعات فقط، بل على جودة استثمار القدرات الذهنية في الوقت المناسب.

و خلال السنوات الماضية ارتبط النجاح الوظيفي بإنجاز أكبر قدر من المهام في أقل وقت ممكن، لكن النظرة بدأت تتغير. فالأبحاث تؤكد أن الدماغ يملك طاقة محدودة للتركيز و اتخاذ القرارات، وعندما ينتقل الشخص باستمرار بين البريد الإلكتروني والاجتماعات والمشروعات المختلفة والطلبات العاجلة، فإنه يستهلك جزءًا كبيرًا من هذه الطاقة قبل أن ينجز أعماله الأساسية. و من هنا ظهر مفهوم إدارة الطاقة العقلية بدلًا

من الاكتفاء بإدارة الوقت، بحيث تُخصص الفترات التي يكون فيها التركيز في أعلى مستوياته للمهام المعقدة، بينما تُترك الأعمال الروتينية للأوقات الأقل تطلبًا.

كما أظهرت دراسات تناولت تصميم يوم العمل أن ترتيب المهام ينعكس بشكل مباشر على الحالة النفسية للموظف مع نهاية اليوم. فالبدء بالأعمال التي تحتاج إلى تركيز مرتفع عندما تكون الموارد الذهنية في أفضل حالاتها يساعد على تقليل الضغط الناتج عن تراكم المسؤوليات، كما أن إنهاء المهام الصعبة مبكرًا يمنح شعورًا بالإنجاز والسيطرة، وهو عامل نفسي مهم في الحد من التوتر. ورغم ذلك، لا توجد طريقة واحدة تناسب الجميع، فهناك من يجد دافعه في إنجاز المهام السهلة أولًا، بينما يفضل آخرون مواجهة الأعمال الأكثر تحديًا منذ البداية، لكن الفكرة تبقى واحدة: فهم طبيعة عمل الدماغ يساعد كل شخص على اختيار الأسلوب الأنسب

له بدل الاعتماد على تنظيم عشوائي ليومه.

و مع استمرار انتشار نماذج العمل الهجين، يبدو أن مستقبل بيئات العمل لن يعتمد على التكنولوجيا وحدها، بل على تصميم أنظمة تراعي طبيعة العقل البشري وكيفية توزيع الجهد والانتباه. وتشير الاتجاهات البحثية الحالية إلى أن الحد من الاحتراق المهني لا يبدأ دائمًا بتقليل حجم العمل، و إنما بإعادة تنظيم طريقة إنجازه. فعندما يعرف الموظف كيف يرتب مهامه، ومتى يمنح تركيزه للأعمال الأكثر أهمية، وكيف يضع حدودًا واضحة بين وقت العمل ووقت الراحة، يصبح أكثر قدرة على الحفاظ على طاقته وتحقيق أداء مستقر على المدى الطويل. و في ظل هذه التحولات المتسارعة، يتجه علم النفس المعرفي ليكون أحد الركائز الأساسية في بناء بيئات عمل أكثر إنسانية، لا يكون هدفها زيادة الإنتاج فقط، بل الوصول إلى إنتاجية متوازنة تحافظ على صحة الموظفين واستمرار

عطائهم.

تم نسخ الرابط