انتقادات شديدة من News/Media Alliance ضد غوغل

لمحة نيوز

صراع القوة في عصر المعلومات

في عالم تُهيمن فيه المنصات التكنولوجية العملاقة على تدفق الأخبار والمحتوى، تتصاعد حدة النزاعات بين ناشري المحتوى التقليديين وعمالقة التكنولوجيا. مؤخرًا، تصدّر تحالف "نيوز/ميديا أليانس" (News/Media Alliance) – الذي يُمثل آلاف المؤسسات الإعلامية العالمية – واجهة الأخبار بإطلاقه هجومًا شرسًا على جوجل، متهمًا إياها باستغلال غير عادل لمحتوى الناشرين، وتقويض الاقتصاد القائم على الصحافة المهنية. هذه المقالة تتناول تفاصيل هذه الانتقادات، مع تحليلٍ استراتيجي لأبعادها القانونية والاقتصادية، وتأثيراتها المحتملة على مستقبل صناعة الإعلام.

الجذور التاريخية للصراع: من الشراكة إلى الاستغلال

قبل عقدٍ من الزمن، بدا التعاون بين جوجل والناشرين واعدًا، حيث وفّرت المنصة التكنولوجية وصولًا أوسع للجماهير، بينما استفادت جوجل من محتوى غني لجذب المستخدمين. لكن مع تضاعف هيمنة جوجل في سوق الإعلانات الرقمية (التي تُشكّل 28% من إجمالي الإنفاق العالمي بحسب إحصائيات 2023)، تحوّلت هذه العلاقة إلى ما يشبه "التبعية القسرية". وفقًا لتحالف الناشرين، فإن جوجل تعتمد على خوارزمياتها لاستخراج مقاطع المقالات وعناوين الأخبار وعرضها في نتائج البحث ومنصات مثل "جوجل نيوز"، دون أن تدفع تعويضًا عادلًا مقابل القيمة التي يخلقها هذا المحتوى.
الأرقام تكشف القصة:

68% من النقرات على الأخبار

تأتي عبر منصات خارجية مثل جوجل وفقًا لدراسة لـ "نيوز ميديا أليانس".

53% من إيرادات الإعلانات الرقمية تذهب إلى جوجل وميتا، بينما تحصل المؤسسات الإخبارية على أقل من 10%.

الانتقادات الجوهرية: تفكيك استراتيجية جوجل

احتكار الإعلانات عبر "أدسينس" و"أدإكس":
تتهم المنظمة جوجل بتحكّمها في سلسلة الإعلانات الرقمية عبر أدوات مثل "أدسينس" (للناشرين) و"أدإكس" (للمعلنين)، مما يسمح لها باحتكار العمولات (التي تصل إلى 40% أحيانًا) وتقليص حصص الناشرين. في عام 2022، كشفت دعوى قضائية في الولايات المتحدة أن جوجل تجني 35 سنتًا من كل دولار إعلاني، بينما يحصل الناشر على 2 سنت فقط.

استغلال المحتوى عبر "المقتطفات المميزة" (Featured Snippets):
تُظهر جوجل أجزاءً رئيسية من المقالات في صندوق أعلى نتائج البحث، مما يقلل الحاجة للنقر على الموقع الأصلي. دراسة أجرتها "سيميلار ويب" عام 2023 وجدت أن 60% من مستخدمي البحث لا يزورون المواقع بعد قراءة المقتطفات.

التلاعب بالخوارزميات لصالح المحتوى المجاني:
وفقًا لتحليل داخلي نُشر في وثائق التحالف، تعطي خوارزميات جوجل أولوية للمواقع التي توفّر محتوى مجانيًا أو تعتمد على الإعلانات، مما يُضعف المواقع التي تتبع نماذج اشتراك مدفوعة.

إفشال مشاريع الناشرين الهادفة للاستقلالية:
في 2021، حاول تحالف من الصحف الأسترالية تفعيل نموذج "الدفع لكل نقرة" لمحتواهم

على جوجل، لكن الأخيرة هددت بحذف مواقعهم من نتائج البحث، وفقًا لتقرير هيئة المنافسة الأسترالية.

الجانب القانوني: معارك من أوروبا إلى أمريكا

القضية الأوروبية (المادة 15 من قانون حقوق النشر):
في 2019، أقرّ الاتحاد الأوروبي تشريعًا يلزم المنصات بدفع مقابل لمقتطفات الأخبار، لكن جوجل ردّت بإلغاء عرض الأخبار في فرنسا وإسبانيا، ثم عادت لتوقّع اتفاقات فردية مع ناشرين كبار بأسعار متدنية، مما أثار اتهامات بـ "فرض الشروط".

دعوى تكساس الأمريكية (2020):
اتُهمت جوجل بالتآمر مع ميتا (فيسبوك سابقًا) لتثبيت أسعار الإعلانات، وهو ما كشفته وثائق داخلية تُظهر تنسيقًا بين الشركتين لتحقيق "هدنة" في المزادات الإعلانية.

مشروع قانون "حماية صحافة المجتمع" (الولايات المتحدة 2023):
يدعو القانون إلى منح الناشرين حق التفاوض الجماعي مع المنصات، لكن جوجل تعارضه بحجة أنه "يعيق الابتكار".

ردود جوجل: بين الدفاع والتكتيكات المرحلية

رغم انتقادات التحالف، ترفض جوجل الاتهامات، مُشيرة إلى أنها تُرسل أكثر من 24 مليار زيارة شهريًا لمواقع الناشرين مجانًا، وفقًا لمدونتها الرسمية. كما أطلقت في 2023 مبادرة "جوجل نيوز شو كيس" لدعم بعض المؤسسات الإخبارية بتمويل محدود. لكن النقّاد يرون هذه الخطوات "مسكنات هامشية" لا تُعالج اختلال التوازن الهيكلي.

التأثيرات بعيدة المدى: هل تموت الصحافة المهنية؟

اختفاء

الصحف المحلية:
بين 2004 و2023، أُغلقت 2500 صحيفة أمريكية، معظمها محلية، وفقًا لجامعة نورث كارولينا. بدون عائدات كافية، تتراجع التغطية المحلية، مما يُهدد الديمقراطية المحلية.

صعود الأخبار الزائفة:
مع انهيار النماذج الاقتصادية التقليدية، تزداد المواقع التي تعتمد على "المحتوى السريع" غير المُحقّق، مما يغذي الشائعات.

تأثيرات على جوجل نفسها:
تقارير داخلية من جوجل (كُشفت في دعوى 2023) تُحذّر من تراجع جودة نتائج البحث بسبب نقص المحتوى الموثوق.

بدائل مستقبلية: هل من أمل؟

التشريعات الجديدة:
قد تُلهم تجربة أستراليا (التي فرضت تفاوضًا إلزاميًا بين جوجل والناشرين) دولًا أخرى، لكن نجاحها يعتمد على تطبيق صارم.

الذكاء الاصطناعي كحليف:
بعض المنصات الناشئة مثل "أرتيغنز" تستخدم الذكاء الاصطناعي لإنشاء محتوى مُميَّز، مع تقاسم الإيرادات مع الناشرين.

نماذج الاشتراك الجماعي:
تجربة "سابスク" في اليابان، حيث تدفع شركات الاتصالات رسومًا لنقابة إعلامية مقابل استخدام محتواها، قد تكون نموذجًا قابلًا للتكرار.

 معركة وجودية تتطلب حلولًا جذرية

الصراع بين تحالف الناشرين وجوجل ليس مجرد نزاع تجاري، بل هو اختبار لقدرة المجتمعات على حماية مصادر معلوماتها الحيوية. بينما تُصر جوجل على أنها "وسيط محايد"، تُظهر الوقائع تحكّمها غير المتناسب في اقتصاد المحتوى. بدون إصلاحات عاجلة – تشريعية

وتكنولوجية – قد نرى انهيارًا تامًا لصناعة إعلامية مستقلة، لتبقى الأخبار حكرًا على من يملك السلطة أو المال.

تم نسخ الرابط