علماء يطورون لقاحًا فعالًا ضد سرطان الجلد
في السنوات الأخيرة، شهد مجال أبحاث السرطان تقدمًا ملحوظًا في تطوير لقاحات فعّالة ضد سرطان الجلد، وخاصة ضد نوع الميلانوما. عملت فرق بحثية في مؤسسات مختلفة مثل جامعة فيرجينيا الأمريكية وشركة Scancell البريطانية، بالإضافة إلى علماء مستقلين في المعاهد الوطنية للأورام وشركات بيولوجية رائدة مثل BioNTech، على ابتكار لقاحات قائمة على DNA أو mRNA أو ناقلات نانوية لتحفيز المناعة ضد خلايا الميلانوما الخبيثة. توضح التجارب السريرية الأولية نتائج واعدة في تحسين معدلات البقاء وتقليل الانتكاس، مع تحديات مستقبلية تتعلق بتحسين الاستجابة المناعية وتخصيص اللقاحات لتتناسب مع تنوع طفرات الورم .
خلفية عن سرطان الجلد وأهمية اللقاح
سرطان الجلد يُصنّف من أخطر أنواع السرطان التي تصيب طبقات الجلد، ويترتب على عدّة عوامل منها التعرض المفرط للأشعة فوق البنفسجية والعوامل الوراثية والبيئية. يُعتبر الميلانوما أخطر أشكال السرطان الجلدي، إذ يتميز بقدرته العالية على الانتشار إلى الأعضاء الداخلية إذا لم يُكتشف مبكرًا. تُشير بيانات صحية عالمية إلى زيادة في معدلات الإصابة بالميلانوما خلال العقد الماضي؛ مما حفّز الحاجة الملحّة لتطوير لقاح يساهم في تحسين نتائج العلاج ويقلل من مخاطر الانتكاس بعد الجراحة أو العلاج الكيميائي والإشعاعي.
أحدث التطورات في لقاحات سرطان الجلد
لقاح DNA لشركة Scancell (iSCIB1+)
تعمل شركة Scancell البريطانية بالتعاون مع هيئة الخدمات الصحية الوطنية في المملكة المتحدة (NHS) على تطوير لقاح DNA يُعرف باسم iSCIB1+ (ImmunoBody) خصيصًا للميلانوما المتقدمة. يعتمد هذا اللقاح على تقنية حقن جزيئات الحمض النووي بضغط عالي دون الحاجة للإبر، مما يحسّن توصيل المادة الوراثية إلى الخلايا المناعية وتفعيلها ضد خلايا الميلانوما المستهدفة. أظهرت المرحلة الثانية من التجارب السريرية نتائج أولية مشجعة، حيث لوحظ انكماش أورام في عدد من المرضى المشاركين، وتأمل الفرق البحثية في تسجيل انتشار الأعراض الجانبية المنخفضة مقارنة بالعلاجات التقليدية. تُنسّق هذه التجارب عن طريق وحدة التجارب السريرية في جامعة ساوثهامبتون، ويستهدف البرنامج تسجيل عشرات المرضى قبل أكتوبر 2025 .
لقاح الجيل الثاني من الميلانوما في جامعة فيرجينيا (UVA)
قدّم فريق بحثي بمركز فيرجينيا للسرطان (UVA Cancer Center) بقيادة الدكتور كريج سلينغلُف (Craig L. Slingluff
لقاح قائم على الناقل النانوي لعلاج الميلانوما
في مارس 2025، نشرت مجلة Advanced Science News نتائج تجربة ما قبل سريرية استخدمت ناقلًا نانويًا (Nanocarrier) في صناعة لقاحٍ لعلاج الميلانوما الانتشاري لدى الفئران. ركّز الباحثون على إنتاج مستقبلات هجينة قادرة على استهداف بيئة الورم المكبوتة للمناعة في الميلانوما، حيث وظّفت المركبات النانوية لتوصيل المستضدات الدقيقة إلى الخلايا المناعية بكفاءة عالية وتحفيز استجابة مناعية قوية ضد الخلايا الورمية. أفضت النتائج إلى توقف نمو الورم وتراجع الأحجام الورمية في نماذج الفئران، كما أظهرت نسبة نجاة أكبر مقارنة بمجموعة التحكم التي لم تتلقّي التطعيم. مع ذلك، ما زالت هذه التقنية في مراحل ما قبل السريرية، ويتطلّع العلماء إلى بدء التجارب البشرية خلال العامين المقبلين بعد استيفاء معايير السلامة والفاعلية.
العلماء والمؤسسات الرائدة في تطوير اللقاح
ليندي ديرانت (Lindy Durrant)
تُعدّ البروفيسورة البريطانية ليندي ديرانت من جامعة نوتنغهام والرئيس التنفيذي والعلمي لشركة Scancell Ltd من الروّاد في حقل أبحاث لقاحات السرطان، لا سيما لقاحات الميلانوما. قادت ديرانت تطوير منصات لقاحات تستهدف مستضدات سكريات خاصة بالأورام (Tumour Associated Glycans) بالإضافة إلى هندسة أجسام مضادة ذات تقارب مرتفع لتعزيز كفاءة التعرف المناعي ضد الخلايا السرطانية. كما ساهمت في تصميم منصات لقاحات أخرى تستهدف أنواعًا مختلفة من السرطان مثل سرطان الثدي الثلاثي السلبي وسرطان الرأس والعنق، مما يبرز خبرتها المتعمقة في مجال العلاج المناعي للسرطان .
كريج سلينغلُف (Craig L. Slingluff
Jr.)
يعمل الدكتور كريج سلينغلُف في مركز فيرجينيا للسرطان كأحد روّاد أبحاث لقاحات الميلانوما، حيث طوّر اللقاح المعزز للجيل الثاني الذي ركز على تحفيز خلايا T المساعدة والخلايا القاتلة معًا لتحسين النتائج العلاجية. أشارت نتائج دراسته إلى أهمية مراعاة الفوارق البيولوجية بين الجنسين عند تصميم اللقاحات المناعية، مما قد يفتح آفاقًا جديدة لتخصيص العلاج وفقًا للجنس الحيوي للمرضى.
علماء في BioNTech والمعهد الوطني للأورام (NCI)
ساهمت العالمة الأرجنتينية-الأمريكية كلاوديا بالينا (Claudia M. Palena) في المعهد الوطني للأورام (NCI) في تطوير لقاحات فردية موجهة ضد أورام مختلفة تشمل الميلانوما، من خلال بحوثها في مجال مناعة الورم والعلاج المناعي للسرطان. كما تلعب الدكتورة أوزليم تُورسي (Özlem Türeci) من شركة BioNTech دورًا رئيسيًا في تطوير اللقاحات القائمة على mRNA؛ وإن كانت شهرتها جاءت من لقاح كوفيد-19، إلا أن خبرتها في هندسة اللقاحات تُخوّلها للمساهمة في مشاريع مماثلة ضد أنواع أخرى من السرطان مثل الميلانوما.
التجارب السريرية والنتائج المبكرة
بدأت المرحلة الثانية من التجارب السريرية للقاح iSCIB1+ في المملكة المتحدة بتنسيق جامعة ساوثهامبتون بالتعاون مع NHS، حيث استُخدمت تقنية حقن DNA بضغط عالي دون إبر. أظهر المشاركون في التجربة استجابات مناعية محسّنة وانكماشًا ملحوظًا في الأورام لدى بعض الحالات، مع تسجيل أعراض جانبية منخفضة، مما يعزز آمال الباحثين في الانتقال للمرحلة الثالثة بحلول نهاية عام 2025 . بموازاة ذلك، توفر إجراءات NHS تسريعًا في الوصول إلى اللقاح ضمن برنامج Cancer Vaccine Launch Pad لتوسيع نطاق التجارب لتشمل 10,000 مريض بحلول عام 2030 .
في الولايات المتحدة، لم تزل لقاحات الناقلات النانوية في مراحل ما قبل السريرية، لكن النتائج الأولية التي أُعلن عنها في مارس 2025 أظهرت قدرة الناقلات النانوية على تجاوز البيئة المكبوتة للمناعة في الأورام، وتحفيز استجابة مناعية فعّالة مع انخفاض السمية الجانبية. يهدف الباحثون إلى إطلاق تجارب بشرية خلال العامين المقبلين بعد تحقيق معايير السلامة وطواف الإشراف التنظيمي .
التحديات والآفاق المستقبلية
على الرغم من التقدم الملحوظ، يواجه تطوير لقاحات الميلانوما تحديات متنوعة، أبرزها:
التخصيص المناعي: يختلف ملف الطفرات الورمية من مريض لآخر، مما يستلزم تطوير لقاحات
التخفّي المناعي: تطوّر خلايا السرطان آليات لتعطيل الجهاز المناعي المحيط بها، مثل التعبير المفرط لبروتينات تثبيط الاستجابة المناعية (Immune Checkpoints)، ما يتطلب دمج اللقاح مع مثبطات نقطة التفتيش المناعي لتعزيز فعاليته.
الفوارق البيولوجية: أظهرت الدراسات أن استجابة المرضى الذكور والمرضات الإناث قد تختلف تجاه اللقاح نفسه، مما يستوجب تضمين تصميم التجارب السريرية عوامل الجنس الحيوي لتحقيق أفضل النتائج العلاجية لكلا الجنسين.
التكامل مع العلاجات الأخرى: من الضروري تحديد التوقيت الأمثل والجرعات المناسبة عند دمج اللقاحات مع علاجات مناعية أخرى مثل مثبطات PD-1 أو CTLA-4 وأيضًا مع العلاجات التقليدية مثل الجراحة والعلاج الكيميائي والإشعاعي، لضمان تحقيق أفضل استجابة مناعية وتقليل الآثار الجانبية.
التمويل والبنية التحتية: يؤثر توفر التمويل والدعم المؤسسي في تسريع الدراسات السريرية وعمليات التصنيع الدوائي، ويتطلب توسيع التجارب التشغيلية وتوفير البنية التحتية المختبرية المناسبة لتصنيع اللقاحات بالجودة العالية الضرورية لمراحل الاختبار البشري.
في مواجهة هذه التحديات، يواصل العلماء والسياستيون العمل على تعزيز الاستثمارات في البنية التحتية البحثية، وتسهيل الإجراءات التنظيمية لتسريع عمليات الموافقة على التجارب السريرية، وتبادل البيانات العلمية بين المؤسسات الأكاديمية والشركات الخاصة لإيجاد حلول مبتكرة ومتكاملة.
الخاتمة
تُعَد جهود العلماء في تطوير لقاحات فعّالة ضد سرطان الجلد، ولا سيما الميلانوما، من أهم الإنجازات الطبية الحديثة، إذ تسهم هذه اللقاحات في تحسين معدلات بقاء المرضى وتقليل مخاطر الانتكاس بعد العلاج الجراحي. يبشر اللقاح الذي تقدمه شركة Scancell بالتقدم الكبير في التجارب السريرية الأولى في المملكة المتحدة، فيما يعِد لقاح الجيل الثاني في UVA بالنجاح على مستوى المناعة الإيجابي مع مراعاة الجنس الحيوي للمريض. كما يفتح التطوير المستقبلي للقاحات الناقلة النانوية آفاقًا جديدة لتجاوز آليات التخفّي المناعي في الميلانوما وتحقيق فعالية أكبر بأقل سمية جانية ممكنة. يبقى الابتكار والتعاون الدولي بين العلماء والمؤسسات البحثية والصناعية العامل الحاسم لتحقيق خطوات حاسمة نحو القضاء على هذا المرض القاتل، وتوفير