اكتشاف آلاف الميكروبات الجديدة في أعمق منطقة في المحيط

لمحة نيوز

في إنجاز علمي غير مسبوق نجح فريق من الباحثين في اكتشاف آلاف الأنواع الجديدة من الميكروبات تعيش في أعمق نقطة معروفة على سطح الأرض خندق ماريانا بالمحيط الهادئ. يعد هذا الاكتشاف تحولا مهما في فهم العلماء للحياة في البيئات القاسية حيث يفتح المجال لدراسة كيفية تكيف الكائنات الحية الدقيقة مع الظروف غير المواتية مثل الضغط الهائل والظلام الدامس ودرجات الحرارة المنخفضة وندرة المغذيات.
لطالما كان يعتقد أن أعماق المحيطات التي تتجاوز 10000 متر تحت سطح البحر تشكل بيئة غير صالحة للحياة بسبب الظروف القاسية التي تميزها بما في ذلك الضغط العالي الذي يمكن أن يسحق معظم أشكال الحياة المعروفة ودرجات الحرارة الباردة وانعدام الضوء ونقص الأكسجين. غير أن الدراسات الحديثة بدأت تكشف عن وجود أنظمة بيئية معقدة ومزدهرة في هذه البيئات ما يغير الفهم التقليدي للحياة على الأرض.
وقد تمكنت الفرق البحثية من الوصول إلى هذه الاكتشافات باستخدام مركبات غوص آلية متطورة مصممة خصيصا لتحمل الضغوط الهائلة في أعماق المحيط.

تم تزويد هذه المركبات بأحدث تقنيات جمع العينات مما سمح للعلماء بالحصول على عينات من الرواسب القاعية وتحليلها باستخدام تقنيات تسلسل الحمض النووي المتقدمة والتي كشفت عن وجود آلاف الأنواع الجديدة من الميكروبات غير المعروفة سابقا.
أبرز الكائنات الحية المكتشفة
1. البكتيريا المحبة للضغط العالي Piezophiles هذه الميكروبات تمتلك قدرة مذهلة على العيش في بيئات ذات ضغط جوي يفوق 1000 ضعف الضغط عند مستوى سطح البحر وذلك بفضل بروتينات غشائية متطورة تحافظ على استقرار خلاياها في هذه الظروف القاسية.
2. الميكروبات الكيميائية التغذية تعتمد هذه الكائنات في بقائها على تحليل المركبات الكيميائية الموجودة في المياه العميقة مثل كبريتيد الهيدروجين والميثان وهي قادرة على استخراج الطاقة من هذه المواد الكيميائية دون الحاجة إلى ضوء الشمس.
3. العتائق المتطرفة Extremophiles وهي كائنات حية دقيقة تظهر خصائص بيوكيميائية فريدة تجعلها محط اهتمام العلماء نظرا إلى إمكانياتها في التطبيقات الطبية والتقنية.
كما يعد
هذا الاكتشاف خطوة محورية في مجال علوم الأحياء الدقيقة وعلوم المحيطات حيث يثبت أن الحياة يمكن أن تزدهر في ظروف كان يعتقد سابقا أنها غير قابلة لاستضافتها. كما يفتح الباب أمام دراسات جديدة قد تسهم في فهم إمكانية وجود حياة في البيئات القاسية خارج الأرض مثل الكواكب والأقمار التي تحتوي على محيطات جوفية مثل قمر أوروبا التابع لكوكب المشتري وقمر إنسيلادوس التابع لزحل.
علاوة على ذلك يمكن أن تحمل بعض هذه الميكروبات المكتشفة إمكانات واعدة في مجالات مختلفة مثل إنتاج مضادات حيوية جديدة أو تطوير إنزيمات مقاومة للظروف القاسية تستخدم في التطبيقات الصناعية بما في ذلك الصناعات الدوائية والهندسة الحيوية.
وإلى جانب أهميتها العلمية تلعب هذه الميكروبات المكتشفة حديثا دورا رئيسيا في التوازن البيئي للمحيطات حيث تساهم في تنظيم دورة المغذيات والكربون. تساعد بعض هذه الميكروبات على تفكيك المواد العضوية المترسبة في أعماق البحار مما يجعلها جزءا أساسيا من دورة الحياة البحرية كما أنها تسهم في عمليات طبيعية
تساعد على تحليل الملوثات وإعادة تدوير العناصر الغذائية في النظم البيئية العميقة.
ومع تقدم التقنيات المستخدمة في استكشاف أعماق المحيطات من المتوقع أن تحمل الأبحاث القادمة المزيد من المفاجآت. لا تزال نسبة كبيرة من المحيطات غير مستكشفة ويقدر العلماء أن الغالبية العظمى من الكائنات الدقيقة التي تعيش في هذه البيئات لم يتم التعرف عليها بعد.
ومع استمرار تطوير تقنيات الروبوتات البحرية وأجهزة الاستشعار المتطورة ستزداد قدرة العلماء على دراسة هذه البيئات الغامضة ما قد يؤدي إلى اكتشافات قد تحدث ثورة في علم الأحياء والبيئة وحتى استكشاف الفضاء.
وعلى الرغم من التقدم الهائل في الأبحاث البحرية إلا أن المحيطات لا تزال تشكل أحد أكبر الألغاز العلمية على كوكب الأرض حيث تشير التقديرات إلى أن أكثر من 80 من بيئاتها العميقة لا تزال غير مستكشفة. ومع كل اكتشاف جديد يزداد فهم العلماء للطبيعة المذهلة للحياة في هذه الأعماق مما يفتح المجال أمام رؤى علمية غير مسبوقة قد تغير نظرتنا إلى الحياة على الأرض وخارجها.

تم نسخ الرابط