دراسة جديدة تربط موجة الحرارة الأوروبية بوفاة 1٬500 شخص
موجة حر قاتلة: أرقام صادمة من قلب أوروبا
كشفت دراسة علمية جديدة أجراها تحالف بحثي دولي بقيادة "إمبريال كوليدج لندن" بالتعاون مع "مدرسة لندن للصحة والطب المداري"، أن موجة الحر التي ضربت أوروبا الغربية بين 23 يونيو و2 يوليو 2025 تسببت في وفاة ما لا يقل عن 2,300 شخص، منهم نحو 1,500 وفاة يمكن ربطها بشكل مباشر بتغير المناخ الناتج عن النشاط البشري.
ووفقًا للنتائج، فإن هذا الرقم المقلق يمثل نقطة مفصلية في فهم العلاقة بين درجات الحرارة القصوى والوفيات، ويعكس عجز النظم الصحية والاجتماعية عن حماية الفئات الأكثر ضعفًا في أوقات الطوارئ المناخية.
دراسة تعتمد على نموذج عالمي مزدوج
الدراسة اعتمدت على مقاربة علمية جديدة تُعرف باسم "النموذج المناخي المضاد الواقعي" (Counterfactual Climate Model)، حيث تمّ مقارنة الواقع المناخي الحالي مع سيناريو بديل كانت فيه الأرض خالية من الانبعاثات الغازية البشرية. النتيجة كانت حاسمة: 65% من الوفيات الحرارية كانت لتُجنّب لولا تأثير
الباحثون دمجوا بيانات يومية لدرجات الحرارة والوفيات في 12 مدينة أوروبية من بينها: باريس، مدريد، روما، برلين، لندن، وبرشلونة، ثم أجروا عمليات تحليل إحصائي باستخدام نماذج وبائية عالية الدقة.
من الأكثر تضررًا؟
أشارت النتائج إلى أن الفئات التالية كانت الأكثر عرضة للموت خلال هذه الفترة:
كبار السن، خاصة من هم فوق سن 75 عامًا.
المصابون بأمراض قلبية وتنفسية مزمنة.
الفئات منخفضة الدخل القاطنون في مناطق حضرية ذات كثافة حرارية عالية.
من يعيشون بمفردهم دون دعم اجتماعي أو أسري.
كما لوحظت زيادة في حالات الفشل الكلوي الحاد الناتج عن الجفاف وفقدان الأملاح بسبب التعرق المفرط، بالإضافة إلى اضطرابات في ضغط الدم والنبض القلبي لدى كبار السن.
الصحة العامة أمام أزمة متزايدة
تشير البيانات إلى أن موجات الحر في أوروبا تزداد تواترًا وقوةً وخطورةً. ففي عام 2023، سجلت أوروبا نحو 47,000 حالة وفاة مرتبطة بموجات الحر، وهو ثاني أعلى رقم في التاريخ
كما أن "الليالي الاستوائية" – وهي الليالي التي لا تقل فيها درجات الحرارة عن 25 °C – أصبحت عائقًا خطيرًا أمام تعافي الجسم البشري من الإجهاد الحراري، خاصة في المدن الكبرى التي تعاني من تأثير "جزيرة الحرارة الحضرية".
الأسباب البنيوية للضعف الأوروبي
رغم البنية التحتية المتطورة، فشلت معظم العواصم الأوروبية في التعامل مع موجة الحر الأخيرة. ومن أبرز الإخفاقات:
نقص خطط الطوارئ المناخية في المدن الصغيرة والمتوسطة.
قلة الملاجئ المبردة العامة وعدم توافرها للفئات الأكثر ضعفًا.
ارتفاع أسعار الطاقة ما يجعل استخدام التبريد صعبًا لكثير من العائلات.
وتُظهر الدراسة أن السياسات المناخية الأوروبية بحاجة لمراجعة فورية، ليس فقط لتقليل الانبعاثات، بل لإنشاء نظم حماية مجتمعية طارئة مستجيبة
هل من حلول جذرية؟
اقترحت الدراسة جملة من التدابير الوقائية لتقليل آثار الموجات الحارة:
تحسين العزل الحراري للمباني وخاصة في المدن القديمة.
زراعة الأشجار في المساحات الحضرية لخفض الحرارة.
توفير مراكز تبريد مجانية في الأحياء الشعبية.
إصدار تحذيرات مناخية صحية فورية ودقيقة.
تدريب العاملين في القطاع الصحي على إدارة إصابات الإجهاد الحراري.
وقد دعا الباحثون الحكومات الأوروبية إلى الاستثمار العاجل في بنية تحتية مناخية مرنة بدلًا من الاعتماد فقط على التكيف الذاتي للمواطنين.
ما القادم؟ قراءة للمستقبل القريب
في ظلّ هذه النتائج، تُطرح تساؤلات حرجة:
هل ستنجح أوروبا في تحويل هذه الأزمة إلى فرصة لإعادة تصميم المدن وفق معايير مقاومة للمناخ؟
هل سيؤدي استمرار هذا النوع من الدراسات إلى تغييرات تشريعية تُجبر السلطات على اتخاذ قرارات أكثر جرأة؟
وهل يظلّ ضحايا الحر في صمت إحصائي، أم يُصبحون دافعًا لتحرك دولي عاجل وشامل؟
الجواب، كما تشير المؤشرات