اكتشاف طبّي لعلاج قريب لمرض السكري يثير تفاؤلًا في الأوساط العلمية

لمحة نيوز

علاج ثوري يلوح في الأفق

أثار إعلانان علميان صدرا مطلع عام 2025 موجة من التفاؤل في الأوساط الطبية والعلمية، بعد أن أظهرت نتائج دراسات سريرية متقدمة إمكانية الوصول إلى علاج فعّال ومبكر لمرض السكري، لا سيما من النوع الأول. ما كان يُعتقد أنه مرض مزمن غير قابل للشفاء، بات اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى إمكانية التراجع أو حتى التلاشي عبر تقنيات تعتمد على الخلايا الجذعية أو تحفيز طبيعي للخلايا الهضمية، إلى جانب تطوير دواء فموي يُغني عن الحقن. هذا التقدم، وإن كان في مراحله التجريبية، يُعد تحولًا نوعيًا في استراتيجية التعامل مع أحد أكثر الأمراض المزمنة انتشارًا عالميًا.

جذور المرض ومعضلة العلاج التقليدي

مرض السكري يُصيب أكثر من 537 مليون شخص حول العالم وفقًا لاتحاد السكري الدولي. ينقسم المرض إلى نوعين رئيسيين:

النوع الأول، وهو مناعي ذاتي، حيث يهاجم الجسم خلايا بيتا المنتجة للأنسولين في البنكرياس.

النوع الثاني، الذي ينتج غالبًا عن مقاومة الأنسولين، ويرتبط بأسلوب الحياة.

رغم تطور تقنيات المراقبة والعلاج، إلا أن المريض لا يزال يعتمد بشكل دائم على العلاجات اليومية، إما من خلال الإنسولين الخارجي أو الأدوية المساعدة، دون الوصول

إلى جذور المرض.

الخلايا الجذعية: إعادة تشغيل للبنكرياس

أحد أهم الاختراقات العلمية في هذا المجال قادته شركة Vertex Pharmaceuticals بالتعاون مع مؤسسات أكاديمية في أميركا الشمالية. التجربة، التي نُشرت تفاصيلها في مارس 2025، شملت زرع خلايا بيتا مطورة من خلايا جذعية بشرية متعددة القدرات في أجسام مرضى السكري من النوع الأول.

النتائج جاءت مبهرة:

10 من أصل 12 مريضًا تمكّنوا من الاستغناء الكامل عن الإنسولين الخارجي خلال ستة أشهر.

لم تظهر مؤشرات رفض مناعي كبيرة، بعد تناول مثبطات مناعية خفيفة.

الآلية تعتمد على محاكاة خلايا البنكرياس الطبيعية، حيث تستجيب الخلايا المزروعة لمستوى الجلوكوز وتفرز الإنسولين تلقائيًا. وفقًا للدكتور جوناثان كولمان، الباحث الرئيسي، فإن هذا الاختراق "ينقل العلاج من مرحلة الإدارة المزمنة إلى احتمالية الشفاء الوظيفي".

ReCET: تنشيط القناة الهضمية بدل العقاقير

من جهة أخرى، أعلن مركز أبحاث في أستراليا عن نجاح تجربة سريرية لتقنية تُعرف بـ ReCET (إعادة تنشيط خلايا الإثني عشري). التقنية لا تتطلب تدخلًا جراحيًا، بل تُحفز طبقة خلايا في جدار الأمعاء الدقيقة عبر نبضات حرارية دقيقة تُطلق بواسطة جهاز عبر الفم.

التأثير كان لافتًا لدى مرضى السكري من النوع الثاني:

تحسّن كبير في حساسية الجسم للأنسولين.

انخفاض ملحوظ في الوزن، تجاوز 10% خلال عام.

ويُعتقد أن الإثني عشري يلعب دورًا مركزيًا في تطوير مقاومة الإنسولين، وبالتالي فإن إعادة تنشيطه يُعيد التوازن الهضمي – الهرموني، ويقلل الاعتماد على الأدوية.

Orforglipron: الدواء الفموي الذي ينافس الحقن

بينما ظلت معظم أدوية السكري النوع الثاني تعتمد على الحقن – خاصة أدوية GLP‑1 – فقد أعلنت شركة Eli Lilly في مايو 2025 عن قرب إنهاء المرحلة الثالثة من التجارب السريرية على دواء Orforglipron.

أبرز نتائج التجربة:

فقدان وزن بنسبة 8% في المتوسط.

تحسن عام في معدلات الكوليسترول وضغط الدم.

تقبل جيد من المرضى وانخفاض في معدلات الآثار الجانبية.

الدواء مصمم ليعمل على مستقبلات GLP‑1 في الأمعاء. ما يجعله مرشحًا قويًا ليكون خيارًا أوليًا لعلاج النوع الثاني من السكري، وربما الوقاية منه مستقبلاً.

تحديات أمام التعميم

رغم هذا التفاؤل، يبقى الطريق إلى التعميم العالمي محفوفًا بالتحديات. من أبرزها:

كلفة العلاج بالخلايا الجذعية التي قد تتجاوز 200 ألف دولار للفرد.

ضرورة متابعة آثار مثبطات المناعة في

علاجات النوع الأول.

الحاجة إلى مزيد من التجارب السريرية على نطاق واسع ومتنوع عرقيًا.

تقييم المخاطر طويلة الأمد، خصوصًا في الأدوية الجديدة.

ويؤكد خبراء الصحة أن التحول من تجربة سريرية ناجحة إلى علاج معتمد رسميًا يحتاج ما بين 2 إلى 5 سنوات، إضافة إلى تدخل سياسات التأمين والرعاية الصحية لتغطية التكاليف المرتفعة.

هل اقتربنا من نهاية السكري؟

الإنجازات العلمية في 2025 لا تُنهي السكري بعد، لكنها بالتأكيد تغيّر مسار التعامل معه. بدلاً من التسليم بالمعاناة مدى الحياة، صار من الممكن الحديث عن تحكم طويل الأمد أو شفاء جزئي على الأقل. وبحسب مراجعات نُشرت في دورية Nature Medicine هذا العام، فإن مزيجًا من العلاجات (دوائية، خلوية، سلوكية) قد يُفضي إلى منظومة علاج شخصية تُمكّن من عيش طبيعي دون أعراض أو مضاعفات.

بين خلايا تُزرع وتُبرمج لتنتج الإنسولين ذاتيًا، وتقنيات تُعيد تنشيط القناة الهضمية، وأدوية فموية ثورية؛ يتراءى في الأفق تحول جذري في نظرتنا إلى السكري. لكن السؤال الذي يبقى مطروحًا: هل سنشهد في نهاية هذا العقد اعتمادًا رسميًا لأول علاج جذري لهذا المرض الذي أرهق البشرية؟ وهل تستطيع الأنظمة الصحية العالمية توفيره للجميع دون تمييز

طبقي أو جغرافي؟ المستقبل وحده سيحسم الإجابة، لكن التقدم العلمي يقول: نعم، نحن أقرب من أي وقت مضى.

تم نسخ الرابط