علماء يكتشفون نوعًا جديدًا من البكتيريا البحرية قد يساهم في تنقية المحيطات من الملوثات العضوية

لمحة نيوز

اكتشاف علمي واعد: بكتيريا بحرية جديدة قد تُحدث ثورة في جهود تنظيف المحيطات من الملوثات العضوية

في تطور علمي يبعث الأمل في معركة البشرية المستمرة ضد التلوث البحري، أعلن فريق من الباحثين الدوليين عن اكتشاف نوع جديد من البكتيريا البحرية يمتلك قدرة استثنائية على تحليل وتفكيك الملوثات العضوية المعقدة التي تُلقى في المحيطات سنويًا، مثل الهيدروكربونات البترولية ومخلفات الصناعات الكيميائية.

بكتيريا من أعماق المحيطات

تم العثور على هذا النوع الجديد في أعماق شمال المحيط الهادئ، خلال بعثة علمية نفذها باحثون من "معهد ماكس بلانك لعلم الأحياء الدقيقة البحرية" بالتعاون مع علماء من "جامعة كاليفورنيا بيركلي". وقد وُجدت البكتيريا، التي أطلق عليها اسم “Oceanospirillum detoxificans”، في عينات طينية أُخذت من عمق يزيد على 3000 متر، حيث تُعد هذه البيئة واحدة من أكثر البيئات تطرفًا على كوكب الأرض.

ما أثار اهتمام العلماء هو قدرة هذه البكتيريا على البقاء والنمو في بيئة فقيرة بالأكسجين، ومع ذلك كانت قادرة على تحلل مكونات عضوية سامة ومعقدة التركيب، مثل البوليكلورينات

العطرية (PCBs) ومركبات البنزين متعددة الحلقات (PAHs)، والتي عادةً ما تتراكم في السلاسل الغذائية البحرية مسببة مخاطر بيئية وصحية خطيرة.

إمكانات بيئية واعدة

بحسب الدراسة التي نُشرت في مجلة Nature Microbiology، أظهرت تحاليل الحمض النووي للبكتيريا الجديدة احتواءها على إنزيمات غير مسبوقة من حيث البنية والفعالية، تُعرف بقدرتها على تفكيك الروابط الكيميائية المستقرة في المركبات السامة. وبفضل هذه القدرة، يرى الباحثون أن Oceanospirillum detoxificans قد تصبح ركيزةً أساسية في تطوير تقنيات التنقية البيولوجية للمياه البحرية، خصوصًا في المناطق الملوثة جرّاء التسربات النفطية أو مخلفات السفن والمصانع الساحلية.

وأشار البروفيسور "هارالد كريغ"، أحد الباحثين الرئيسيين في المشروع، إلى أن "ما يجعل هذا الاكتشاف مهمًا ليس فقط الفعالية العالية للبكتيريا، بل أيضًا قدرتها على العمل في درجات حرارة منخفضة وضغوط عالية، مما يتيح استخدامها مباشرة في أعماق المحيطات دون الحاجة إلى تغيير ظروف البيئة."

نحو حلول بيئية مبتكرة

يأتي هذا الاكتشاف في وقت تزداد فيه الحاجة إلى حلول مبتكرة

لمعالجة التدهور البيئي في البحار والمحيطات. فبحسب تقارير الأمم المتحدة، يُلقى في المحيطات ما يزيد عن 8 ملايين طن من النفايات البلاستيكية سنويًا، فضلًا عن كميات ضخمة من الملوثات العضوية الناتجة عن النشاط الصناعي. وعلى الرغم من وجود تقنيات ميكانيكية وكيميائية لتنقية المياه، فإن أغلبها باهظ التكلفة وذو فعالية محدودة، خصوصًا في البيئات البحرية المعقدة.

هنا، تبرز أهمية الاكتشاف الجديد، كونه يفتح الباب أمام تطوير حلول بيولوجية صديقة للبيئة وأقل تكلفة. ويمكن مستقبلاً استخدام هذه البكتيريا – أو المواد الإنزيمية المستخلصة منها – في تصميم فلاتر أو وحدات تنقية ذاتية تستخدم في موانئ النفط أو محطات معالجة مياه الصرف الصناعي.

تحديات مستقبلية

ورغم التفاؤل الكبير المحيط بالاكتشاف، إلا أن العلماء يشيرون إلى أن الطريق لا يزال طويلاً قبل تطبيقه فعليًا على نطاق واسع. فهناك حاجة لإجراء مزيد من التجارب المعملية ودراسات الأمان البيئي، لاختبار تأثير استخدام هذه الكائنات على التوازن البيولوجي في المحيطات، وعلى الكائنات البحرية الأخرى.

كما توجد تساؤلات حول كيفية جمع هذه

البكتيريا أو إنتاجها بكميات كافية، سواء عبر الزراعة المخبرية أو من خلال الاستنساخ الجيني للإنزيمات الفعالة. لذلك، تجري حاليًا أبحاث مكثفة في مجال التكنولوجيا الحيوية لاستنساخ الجينات المسؤولة عن تحلل الملوثات، وزرعها في بكتيريا أكثر سهولة في التربية والاستخدام الصناعي.

الأمل في تعاون عالمي

الخبراء يؤكدون أن هذا النوع من الاكتشافات لا يمكن أن يُحدث فرقًا حقيقيًا إلا ضمن إطار تعاون عالمي لمكافحة التلوث البحري، سواء عبر دعم الأبحاث البيئية أو عبر سنّ قوانين أكثر صرامة بشأن التخلص من النفايات البحرية. كما يأمل العلماء في أن يُسهم هذا الاكتشاف في تعزيز الوعي العام بأهمية حماية البيئة البحرية، باعتبارها أحد الأعمدة الحيوية لاستقرار النظام البيئي العالمي.

الخلاصة

يمثل اكتشاف Oceanospirillum detoxificans خطوة متقدمة نحو تطوير تقنيات بيولوجية لمعالجة التلوث العضوي في المحيطات. فبينما تتزايد التحديات البيئية عالميًا، يعيد هذا الإنجاز العلمي تسليط الضوء على دور الطبيعة نفسها في المساعدة على مواجهة الأزمات التي تسببها الأنشطة البشرية، ويمنح بصيص أمل بإمكانية

بناء مستقبل أكثر استدامة للبيئة البحرية.

تم نسخ الرابط