المتاحف الحسية اتجاه جديد في عالم الفن يهدف إلى إشراك حاسة اللمس والشم والسمع لتقديم تجربة غامرة تتجاوز النظر

لمحة نيوز

المتاحف الحسية: ثورة في عالم الفن تستهدف الحواس لتجربة أكثر عمقًا وارتباطًا

في الوقت الذي يركّز فيه كثير من الناس على التفاعل البصري مع الأعمال الفنية، بدأت المؤسسات الثقافية حول العالم في تبنّي توجه جديد يعيد تعريف مفهوم "زيارة المتحف". لم تعد المتاحف تقتصر على تأمل اللوحات وتماثيل الفن الكلاسيكي من خلف الحواجز، بل أصبحت وجهات تفاعلية مصممة خصيصًا لتحفيز الحواس البشرية كافة، بما في ذلك اللمس والشم والسمع. ما يعرف اليوم بـ"المتاحف الحسية" لا يُعد مجرد تجربة ترفيهية، بل حركة ثقافية وفكرية تهدف إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والفن من خلال إشراكه في تجربة متعددة الأبعاد.

ما هي المتاحف الحسية؟

المتاحف الحسية هي نوع مبتكر من المتاحف التي تسعى إلى تجاوز التلقي البصري التقليدي للأعمال الفنية، وذلك من خلال دمج عناصر حسية أخرى. في هذه الفضاءات، يُشجَّع الزائر على التفاعل مع المعروضات باستخدام حواسه الخمس: الرؤية، السمع، الشم، اللمس، وفي بعض الأحيان حتى الذوق.

هذا التوجّه يضع

المتاحف في قلب نقاشات أوسع حول الدمج والتنوع والوصول الشامل، حيث تصبح أماكن الفن أكثر ترحيبًا بالفئات التي غالبًا ما كانت تجد نفسها على الهامش.

تجارب عالمية رائدة

واحدة من أبرز التجارب في هذا المجال يمكن العثور عليها في "متحف الفن الحسي" في مدريد، الذي افتُتح عام 2023 كمؤسسة فنية مصممة بالكامل لتُستشعر لا لتُشاهد فقط. في هذا المتحف، يُطلب من الزوار نزع أحذيتهم عند الدخول ليشعروا بأرضيات مختلفة تحت أقدامهم، ويتنقلوا عبر غرف تعبق بروائح مختارة بعناية وتنبض بالأصوات الطبيعية والصناعية، وتتضمن تركيبات فنية يمكن لمسها أو تغيير شكلها.

أما في باريس، فقد أطلق "متحف كيه برينت" مشروعًا مؤقتًا بعنوان Sensing the Invisible (الإحساس باللامرئي)، والذي ضم معروضات تفاعلية تستجيب لحركات الزائرين وأصواتهم، باستخدام تكنولوجيا الواقع المعزز والذكاء الاصطناعي. اللافت في التجربة أن بعض الأعمال لم يكن يمكن رؤيتها أصلاً، بل الإحساس بها فقط.

فن يتجاوز الجدران والحواس

الفن الحسي ليس بالضرورة وليد

اللحظة، إذ إن جذوره تمتد إلى حركات فنية سابقة مثل "الدادا" و"الفن المفاهيمي"، التي طالما حاولت كسر الحواجز التقليدية بين الجمهور والعمل الفني. إلا أن ما يميّز المتاحف الحسية اليوم هو اعتمادها على التكنولوجيا الحديثة والتصميم التفاعلي الذي يُحوّل الزائر من مشاهد سلبي إلى مشارك فعّال.

الشم.. بوابة إلى الذكريات

إحدى أهم الابتكارات في هذا المجال هي استخدام الروائح كجزء لا يتجزأ من العرض الفني. في متحف "سيمفاكت" في هولندا، تعاون فنانون مع علماء الأعصاب لصناعة تجارب تعتمد على الشم لتحفيز الذكريات والمشاعر، وهو مجال تُظهر الدراسات أنه أكثر فاعلية من التحفيز البصري أو السمعي في إثارة الاستجابات العاطفية.

أهمية اللمس

من المثير أيضًا أن الكثير من هذه المتاحف تتيح للزوار لمس الأعمال الفنية، وهو أمر طالما كان محظورًا في المتاحف التقليدية. اللمس يتيح للأشخاص المكفوفين أو ضعاف البصر "رؤية" الفن بطريقة جديدة، لكنه أيضًا يمنح الجميع فرصة لإدراك الأشكال والأحجام والنقوش بطريقة أكثر حسية

وتفاعلية.

الدمج والعدالة الحسية

المتاحف الحسية تُعد أيضًا خطوة مهمة نحو دمج الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة في المشهد الثقافي والفني.

ويذهب بعض المنظمين إلى ما هو أبعد من ذلك، فيعملون على تطوير برامج خاصة للأطفال المصابين بالتوحد أو من يعانون من اضطرابات حسية، بحيث تتوافق البيئة الحسية للعرض مع احتياجاتهم، مما يُحوّل المتحف من مكان مرهق إلى مساحة علاجية.

ما الذي يخبئه المستقبل؟

يتوقع الخبراء أن تزداد شعبية هذا النوع من المتاحف في السنوات القادمة، مدفوعة بتقدّم تكنولوجيا الواقع الافتراضي والمعزز، وكذلك بنمو الوعي المجتمعي بضرورة الوصول الثقافي الشامل. كما يُتوقّع أن تدمج المتاحف التقليدية عناصر حسية في معارضها، أو تخصّص أقسامًا تفاعلية لتجربة الفنون بطرق غير تقليدية.

خاتمة

تجربة الفن لم تعد حكرًا على العيون، بل أصبحت رحلة حسية متكاملة تشمل الجلد والأنف والأذن وحتى الذاكرة. المتاحف الحسية هي نافذة جديدة على الفن، تعيد صياغة العلاقة بين الزائر والعمل الفني، وتطرح سؤالًا

جوهريًا: كيف يمكننا أن نشعر بالفن بدلاً من الاكتفاء برؤيته؟

تم نسخ الرابط