باحثون في جهات مثل NIST في الولايات المتحدة يعملون على وضع معايير لتشفير مقاوم لهجمات الحوسبة الكمومية

لمحة نيوز

معايير التشفير ما بعد الكم: جهود دولية لدرء التهديدات المستقبلية

في ظل التقدم السريع في تقنيات الحوسبة الكمومية، يتسابق العلماء والمختصون في مجال الأمن السيبراني حول العالم، وعلى رأسهم باحثو "المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتقنية" (NIST)، نحو تطوير معايير جديدة لتشفير البيانات تكون قادرة على مقاومة التهديدات المتوقعة من الحواسيب الكمومية، التي يُتوقع أن تقلب موازين الأمن الرقمي في المستقبل القريب.

ما الخطر القادم من الحوسبة الكمومية؟

تُعد الحواسيب الكمومية نقلة نوعية في عالم الحوسبة، بقدرتها على تنفيذ عمليات حسابية معقدة بسرعة خارقة مقارنة بالحواسيب التقليدية. وبالرغم من أن هذه التكنولوجيا ما زالت في مراحلها المبكرة، إلا أن قدراتها المحتملة في كسر أنظمة التشفير التقليدية، مثل RSA وECC، تثير قلقًا واسعًا بين المختصين في الأمن السيبراني.

الأنظمة المعتمدة حاليًا تعتمد على صعوبة حل مسائل رياضية معينة، مثل تحليل الأعداد الأولية الكبيرة، وهي مهمة تحتاج لمئات أو آلاف السنين

من العمل على الحواسيب التقليدية. لكن مع الحوسبة الكمومية، وخصوصًا مع خوارزمية "شور" الشهيرة، قد تصبح هذه العمليات سهلة نسبيًا، ما يهدد خصوصية وأمن البيانات المالية، الطبية، الحكومية، وحتى العسكرية.

مبادرة NIST: السباق نحو التشفير الكوانتي المقاوم

انطلاقًا من هذه المخاوف، أطلق المعهد الوطني للمعايير والتقنية (NIST) منذ عام 2016 مشروعًا دوليًا طموحًا لاختيار وتوحيد خوارزميات تشفير جديدة قادرة على الصمود أمام هجمات الحوسبة الكمومية. وشارك في هذه المبادرة أكثر من 80 مجموعة بحثية من مختلف أنحاء العالم، وقدمت عشرات المقترحات لتقنيات تشفير جديدة تتضمن تشفيرًا متمركزًا على الشبكات والتشفير القائم على الشِفرات وتلك المعتمدة على المصفوفات متعددة الأبعاد وغيرها.

في عام 2022، أعلن NIST عن اختيار أربع خوارزميات مبدئية، من بينها خوارزمية CRYSTALS-Kyber للتشفير وتبادل المفاتيح، وCRYSTALS-Dilithium للتوقيع الرقمي، باعتبارها مرشحين قويين لاعتمادها في المعايير المستقبلية. وخضعت هذه الخوارزميات

لمراجعات واختبارات صارمة من حيث الكفاءة، والأمان، والاستقرار ضد التهديدات المستقبلية.

لماذا هذا التحرك عاجل الآن؟

على الرغم من أن الحواسيب الكمومية التجارية القادرة على كسر التشفير الكلاسيكي لم تظهر بعد، فإن الخبراء يحذرون من "هجمات الالتقاط الآن وفك التشفير لاحقًا" (Harvest Now, Decrypt Later). وتقوم هذه الهجمات على تسجيل البيانات المشفرة اليوم، على أمل أن تُفك في المستقبل عند توفر حواسيب كمومية قوية بما يكفي.

ولذلك، فإن المؤسسات التي تتعامل مع بيانات طويلة الأجل – مثل الحكومات والبنوك ومراكز الأبحاث – لا يمكنها انتظار ظهور الخطر الحقيقي، بل يجب أن تبدأ في التحول إلى أنظمة تشفير مقاومة لكمبيوترات المستقبل الآن.

تعاون عالمي واهتمام تجاري متزايد

لا تقتصر الجهود على NIST فحسب، بل تشارك جهات عدة حول العالم، من الاتحاد الأوروبي إلى الصين وكندا، في مشاريع مماثلة. كما بدأت شركات التكنولوجيا الكبرى مثل Google وIBM وMicrosoft بدمج خوارزميات مقاومة للحوسبة الكمومية ضمن أنظمتها،

تحسبًا لأي تهديد مستقبلي.

ووفقًا لتقرير صدر عن مركز الأمن السيبراني الأوروبي ENISA، فإن التحول نحو معايير التشفير الجديدة يجب أن يتم تدريجيًا وبحذر، إذ يتطلب ذلك تحديث الأنظمة البرمجية، وتقييم أداء الخوارزميات، وضمان توافقها مع البنية التحتية القائمة، دون التسبب في ثغرات جديدة.

التحدي المقبل: التنفيذ على نطاق واسع

يُتوقع أن تصدر النسخة النهائية من معايير NIST بحلول عام 2027، لتصبح بعد ذلك معيارًا عالميًا تعتمد عليه المؤسسات والحكومات في حماية بياناتها. ومع ذلك، يظل التنفيذ الفعلي على نطاق واسع تحديًا ضخمًا، إذ يتطلب موارد مالية وتقنية كبيرة، بالإضافة إلى تدريب الكوادر البشرية القادرة على التعامل مع هذه التحولات التقنية الدقيقة.

خلاصة

في عالم يسير بخطى متسارعة نحو الحوسبة الكمومية، لم يعد الأمن السيبراني خيارًا مؤجلاً. ومع استمرار جهود مؤسسات مثل NIST، أصبح من الواضح أن الانتقال إلى معايير تشفير مقاومة لكمبيوترات الغد ليس مجرد تحديث تقني، بل ضرورة حتمية لحماية مستقبل البيانات

والخصوصية في عصر ما بعد الكم.

تم نسخ الرابط