تحوّل في سوق العمل نحو المهارات الحرفية والكفاءات اليدوية حيث يتجه جيل Z إليها استجابة لأتمتة الذكاء الاصطناعي المتسارعة

لمحة نيوز

جيل Z يغيّر مسار سوق العمل: العودة إلى الحرف اليدوية ردًّا على اجتياح الذكاء الاصطناعي

في الوقت الذي يواصل فيه الذكاء الاصطناعي توسعه في أداء المهام المعرفية وتطبيقاته في مجالات المحاسبة، التصميم، الكتابة، البرمجة، وحتى الترجمة، بدأت تظهر بوادر تحوّل مثير للاهتمام في سوق العمل العالمي، تقوده فئة عمرية لم يكن يُتوقع منها أن تنظر إلى المهارات اليدوية كخيار أساسي. إنهم "جيل Z"، الفئة التي وُلدت في أواخر التسعينات وبدايات الألفية الجديدة، والتي يبدو أنها تعيد رسم خريطة الوظائف المستقبلية بطريقة لم تكن متوقعة.

نقلة ذهنية في خيارات المستقبل

خلافًا للأنماط التقليدية التي اتبعها الجيل السابق، والذي رأى في التعليم الجامعي بوابة الاستقرار والنجاح، يتجه العديد من أفراد جيل Z اليوم نحو الحرف اليدوية والمهن الفنية التي تتطلب كفاءة عملية ومهارات تطبيقية. هذا التوجه ليس ناتجًا عن رفض للحداثة أو انسحاب من الساحة التقنية، بل هو رد ذكي على واقع اقتصادي وتقني بدأ يُقصي تدريجيًا الوظائف البيضاء الروتينية من خلال الخوارزميات والروبوتات.

وبحسب تقارير عالمية ، فإن نسبة كبيرة من شباب جيل Z يعبّرون عن رغبتهم في التحول إلى مسارات مهنية أكثر “واقعية”، مثل اللحام، النجارة، الكهرباء، تركيب أنظمة الطاقة الشمسية، أو حتى صيانة السيارات. هذه المهن التي ظلت لعقود تُصنّف ضمن فئة "الوظائف المتوسطة أو الدنيا"، بدأت تكتسب زخمًا جديدًا من حيث الاحترام والمكانة الاجتماعية، خصوصًا في ظل تناقص عدد الحرفيين

المهرة وارتفاع الطلب عليهم في أسواق العمل الغربية والآسيوية على حدّ سواء.

الذكاء الاصطناعي يضغط على المكاتب البيضاء

ما يحرّك هذا التحول ليس مجرد حنين إلى العمل اليدوي، بل هو إدراك متنامٍ بأن سوق العمل التقليدي، الذي يعتمد على الوظائف المكتبية (مثل التسويق، الإدخال البيانات، دعم العملاء، أو المحاسبة)، بات مهددًا بشكل متزايد بالأتمتة.

أظهرت استطلاعات رأي حديثة أن نسبة كبيرة من العاملين الشباب باتوا يرون في الذكاء الاصطناعي تهديدًا مباشرًا لمستقبلهم المهني. فبحسب تقرير نشرته Zety، فإن أكثر من 70٪ من المشاركين من جيل Z عبّروا عن قلقهم من احتمالية فقدان وظائفهم خلال العقد المقبل بسبب استبدالها بالتقنيات الذكية. ورأى آخرون أن الشهادات الجامعية وحدها لم تعد كافية لضمان عمل طويل الأمد، خصوصًا في ظل تسارع الابتكار التقني.

الحرف اليدوية: مهارات لا يمكن استنساخها رقميًا

المثير في هذا التحول أن جيل Z – وهو ذاته الجيل الذي نشأ على الإنترنت والتطبيقات والهواتف الذكية – بات يبحث عن مهارات يصعب استبدالها بخوارزمية. المهارات الحرفية، التي تتطلب إدراكًا حسيًا، دقة في التعامل مع المواد، مرونة بشرية، وقدرة على التفاعل مع مواقف غير متوقعة، لا تزال بعيدة عن نطاق سيطرة الذكاء الاصطناعي.

فلا يوجد برنامج حاسوبي حالي يمكنه تركيب نظام كهربائي في منزل عشوائي، أو إصلاح محرك معطّل ضمن ظروف متغيرة، أو نحت قطعة خشب دقيقة يدوياً. هذه الوظائف تحتاج إلى اللمسة البشرية، وإلى تدريب تطبيقي، وإلى مهارة

تتطور بالممارسة وليس فقط بالتحصيل النظري.

العودة إلى التعليم الفني: مؤسسات تواكب الواقع

في مواجهة هذا التحول، بدأت بعض المؤسسات التعليمية في أمريكا الشمالية وأوروبا وحتى آسيا بتحديث مناهجها لتواكب الطلب الجديد. المعاهد التقنية والكليات المجتمعية شهدت زيادة واضحة في التسجيل ضمن برامجها التدريبية، التي تتراوح بين ستة أشهر وسنتين. كما بدأت الشركات الكبرى في قطاعات البناء والطاقة والسيارات بتقديم فرص تدريب ودعم مالي لجذب المزيد من الشباب نحو هذه المهن.

الأهم من ذلك، أن العديد من هؤلاء الشباب لا يرون في هذه المهن "محطة مؤقتة" كما كان يُنظر إليها سابقًا، بل خيارًا مستقبليًا طويل الأمد يوفر دخلًا جيدًا، واستقلالًا مهنيًا، وقدرة على التطور إلى ريادة الأعمال لاحقًا. في الواقع، أصبح كثير من الحرفيين اليوم يمتلكون أعمالهم الخاصة أو يعملون كمقاولين مستقلين، بعيدًا عن نموذج الوظيفة التقليدية.

جيل يبحث عن المعنى… لا فقط الوظيفة

جانب آخر جدير بالاهتمام، هو أن هذا التحول لا تحكمه فقط دوافع اقتصادية أو وظيفية، بل جانب نفسي وفلسفي عميق. فجيل Z يعبّر بوضوح عن رغبته في أن تكون أعماله "ملموسة" وذات "أثر فوري". الوظائف التي تُنجز على شاشة حاسوب وتختفي في ملفات افتراضية لا تمنحهم بالضرورة شعورًا بالإنجاز، بينما يشعرون برضا حقيقي عند بناء شيء ملموس بأيديهم، أو إصلاح ما هو معطّل، أو ترك أثر واضح في البيئة المحيطة.

يبدو أن هذا الجيل، خلافًا لما يُشاع، لا يسعى فقط وراء المال أو المكانة، بل

وراء القيمة والهدف. يرى الكثير من شباب اليوم أن العمل في الحرف أو المهن الفنية يمنحهم استقلالية أوسع، وتحكمًا أفضل في وقتهم، وأحيانًا نمط حياة صحي أكثر من الوظائف المكتبية التي ترتبط بالجلوس الطويل والإجهاد الرقمي.

إعادة تعريف النجاح في القرن الحادي والعشرين

هذا التحول يستوجب من المجتمع، وأرباب العمل، ومؤسسات التعليم، إعادة النظر في معايير النجاح المهني. لم تعد الشهادة الجامعية المرموقة كافية وحدها، بل أصبحت المهارة التطبيقية، والقدرة على الابتكار العملي، والتعلّم المستمر، أدوات النجاح الأكثر فاعلية في سوق يتغير بسرعة.

جيل Z لا يهجر التكنولوجيا، لكنه يستخدمها بذكاء لخدمة مساره الجديد. فالكثير من الحرفيين الجدد يستخدمون منصات التواصل الاجتماعي للترويج لأعمالهم، وتطبيقات الإدارة لحجز المواعيد، وأدوات التصميم لابتكار منتجات جديدة، أي أن المهارات الرقمية والحرفية تتكامل عندهم في منظومة عمل جديدة، هجينة، ومستدامة.

الخلاصة: ثورة هادئة تعيد التوازن بين العقل واليد

في عالم تُعاد فيه صياغة العلاقات بين الإنسان والآلة، وبين التعليم والعمل، وبين النظرية والتطبيق، يقود جيل Z ثورة هادئة ولكن عميقة المعنى. إنهم يختارون العمل الذي لا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يُتقنه بسهولة. ويُعيدون إحياء قيمة المهن التي تقوم على الجهد المباشر، والخبرة المتراكمة، والتفاعل الحي مع العالم المادي.

التحوّل نحو الحرف اليدوية ليس رجعية، بل هو مستقبل مختلف، أكثر إنسانية، وأكثر استدامة، وربما أكثر ملاءمة

لعصر لم تعد فيه الوظائف مضمونة، ولا المسارات المهنية مستقيمة.

تم نسخ الرابط