شركة سويسرية ناشئة تؤمن التمويل لإطلاق أداة ذكية لأنظمة إدارة المهارات تضمن عدم تخطي أي مرشح مؤهل

لمحة نيوز

ثورة سويسرية في عالم التوظيف: منصة ذكاء اصطناعي تَعِد بعدم إغفال أي مرشح مؤهل

في وقت تتزايد فيه التحديات المتعلقة بإدارة المهارات، وخاصة داخل الشركات المتوسطة والكبيرة، برزت شركة ناشئة من سويسرا لتقدم حلاً تقنيًا طموحًا ومبتكرًا. الشركة، التي تُدعى Work-ID، استطاعت أن تثير انتباه المستثمرين وخبراء الموارد البشرية على حد سواء، بعد إعلانها تأمين تمويل أولي قدره 4.2 مليون يورو لتطوير وإطلاق منصتها الذكية المتخصصة في اكتشاف المهارات وتوظيف الكفاءات بدقة، دون الاعتماد التقليدي على السير الذاتية فقط.

الذكاء الاصطناعي في خدمة العدالة المهنية

ما يميز Work-ID عن غيرها من الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا السحابية وإدارة الموارد، هو تبنيها لفكرة أساسية: لا يجب أن يظل أي مرشح مؤهل خلف الظل بسبب ضعف الشبكة الاجتماعية أو عدم استخدام الكلمات المفتاحية المناسبة في السيرة الذاتية. تعتمد الشركة على خوارزميات متقدمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، مصممة لتحليل المهارات العملية الفعلية بدلاً من التقييمات السطحية، وتمكين الشركات من اتخاذ قرارات توظيف أكثر عدالة وكفاءة.

منصة Work-ID لا تقتصر على مطابقة المرشحين بالوظائف، بل تُنشئ ما يُعرف بـ "جواز السفر المهاري"، وهو ملف رقمي ديناميكي يُحدث باستمرار بناءً على المهارات المكتسبة، الخبرات العملية، والدورات التعليمية. هذا الجواز يُمكّن المستخدمين

من عرض قدراتهم بطريقة قابلة للقياس والتحقق، بعيدًا عن التقييمات الذاتية أو التصريحات غير الموثقة.

نقلة نوعية في إدارة الموارد البشرية

وفقًا لتصريحات مؤسسي الشركة، فإن الهدف الأساسي لا يتمثل فقط في مساعدة الشركات على إيجاد مرشحين مناسبين، بل في إعادة تعريف العلاقة بين الموظف والمهارة. وتُشير Work-ID إلى أن العديد من الكفاءات غالبًا ما تبقى غير مستغلة داخل المؤسسات نفسها، بسبب غياب أدوات دقيقة لتتبع المهارات وتحديثها باستمرار. ومن خلال منصتها الذكية، تسعى الشركة إلى توفير حل عملي يُتيح للمؤسسات إدارة قاعدة بيانات المهارات الداخلية، وتحليل الفجوات المهارية، وتخطيط الاحتياجات التدريبية، بما يضمن تطورًا أكثر استدامة وتنوعًا في بيئة العمل.

هذا التوجه يعكس تحوّلاً عالميًا في الطريقة التي تتعامل بها المؤسسات مع المواهب، حيث أصبح التركيز الآن منصبًا على ما يعرف بـ "اقتصاد المهارات" بدلاً من "اقتصاد المؤهلات"، وهو ما تروج له منظمات مثل المنتدى الاقتصادي العالمي والبنك الدولي.

شراكات علمية واستراتيجية لتعزيز المصداقية

من العوامل التي عززت ثقة المستثمرين في Work-ID، شراكتها مع عدد من المؤسسات البحثية والتعليمية الكبرى في سويسرا، من بينها جامعة زيورخ، وجامعة سانت غالن، والجامعة التقنية الاتحادية في لوزان (EPFL). هذه الشراكات تهدف إلى دعم المشروع بمناهج بحثية أكاديمية، وتطوير

معيار موحد لتقييم المهارات، ما يمنح المنصة أساسًا علميًا راسخًا.

كما تحظى الشركة بدعم من الهيئة الوطنية السويسرية للابتكار (Innosuisse)، التي تعتبر هذا المشروع جزءًا من رؤية أوسع نحو تعزيز سوق العمل السويسري وتوجيهه نحو استدامة أكبر عبر المهارات القابلة للتطوير.

تحديات يحاول المشروع تجاوزها

رغم الحماس الكبير الذي يحيط بالمشروع، لا تخفي Work-ID إدراكها للتحديات التي تواجهها. فإقناع الشركات بتغيير طرق التوظيف التقليدية، وتحويل البنية المؤسسية نحو "إدارة المهارات بدلاً من المناصب"، يتطلب وقتًا وتثقيفًا طويل الأمد. كما أن بعض الثقافات المؤسسية لا تزال ترتكز بشكل كبير على المؤهلات الورقية، خاصة في القطاعات الحكومية أو الأكاديمية.

ومع ذلك، تراهن الشركة على أن تسارع التطورات التكنولوجية، وتزايد الحاجة لمرونة أكبر في بيئة العمل، سيجعلان من منصتها خيارًا حتميًا أمام الشركات التي تسعى إلى المنافسة والاستمرارية في عصر سريع التحول.

نموذج عمل مرن يضمن الوصول للجميع

تعتمد Work-ID نموذجًا اقتصاديًا مرنًا (freemium)، بحيث يتمكن الأفراد والشركات الصغيرة من استخدام النسخة الأساسية مجانًا، مع إمكانية الترقية إلى نسخ احترافية توفر تحليلات أعمق وتكاملات مع أنظمة الموارد البشرية الأخرى. وتهدف الشركة من هذا التوجه إلى خلق قاعدة جماهيرية واسعة، تشجع على استخدام المنصة بشكل عضوي، وتساهم

في تحسين الخوارزميات باستمرار.

كما تخطط الشركة لإطلاق تطبيق للهاتف المحمول يتيح للمستخدمين تحديث مهاراتهم وتلقي تقييمات وردود فعل فورية من مديريهم أو زملائهم، مما يعزز ثقافة التعلم المستمر ويُشجع الموظفين على الانخراط الفعّال في تطوير مسارهم المهني.

نظرة مستقبلية: هل سنشهد نهاية السيرة الذاتية؟

بينما تؤكد Work-ID أن منصتها لا تهدف إلى إلغاء السيرة الذاتية بشكل كامل، فإنها ترى أن مستقبل التوظيف يجب أن يُبنى على بيانات أكثر ديناميكية ودقة. وتُشير الدراسات إلى أن السيرة الذاتية التقليدية تفشل في تمثيل ما يصل إلى 60% من المهارات الفعلية للمرشح، خصوصًا تلك المرتبطة بالمهارات الناعمة، أو الخبرات المكتسبة من العمل التطوعي، أو مشاريع مستقلة.

من هذا المنطلق، فإن الأداة الذكية الجديدة تمثل محاولة جادة لإعادة تشكيل معايير الكفاءة في سوق العمل، وتمهيد الطريق أمام بيئة توظيف أكثر إنصافًا وشمولًا.

الخاتمة

في عصر تُصنّف فيه المهارات كعملة المستقبل، تأتي مبادرة Work-ID لتُشكل استجابة ذكية ومبتكرة لحاجة ملحة، لا تقتصر على قطاع التوظيف فحسب، بل تمتد لتلامس بنية الاقتصاد الحديث. وإذا نجحت في تنفيذ رؤيتها، فقد لا يمر وقت طويل قبل أن تتحوّل أدوات مثل "جواز المهارات الرقمي" إلى معيار عالمي، تمامًا كما تحوّلت LinkedIn إلى جزء من هوية كل مهني.

قد تكون هذه البداية فقط، لكن تأثيرها سيكون

عميقًا وطويل الأمد، في طريقة فهمنا للعمل، والتعلم، والفرص.

تم نسخ الرابط