أسلوب حياة جديد مكتبة الشارع تنتشر في المدن الكبرى ورمزها رفوف كتب بلا مكتبات

لمحة نيوز

مكتبات الشارع… مبادرة حضرية تُعيد للكتب مكانها في قلب المدينة

في السنوات الأخيرة، بدأت ملامح ظاهرة ثقافية جديدة تتشكّل في المشهد الحضري للعديد من المدن الكبرى، حيث ظهرت صناديق أو رفوف صغيرة مليئة بالكتب على الأرصفة، أمام المقاهي، بجانب المدارس، وحتى عند مداخل الحدائق العامة. هذه المبادرات، التي باتت تُعرف باسم "مكتبات الشارع"، تقوم على فكرة بسيطة لكنها عميقة الأثر: خذ كتابًا إذا أردت القراءة، وضع كتابًا آخر مكانه إذا رغبت بالمشاركة. لا رسوم، ولا تسجيل، ولا شروط سوى الإيمان بأن الثقافة مورد مشترك يمكن للجميع تداوله.

من فكرة فردية إلى حركة عالمية

ظهرت الفكرة بشكلها المنظم لأول مرة في الولايات المتحدة منذ نحو عقدين، حين قرر أحد سكان ولاية ويسكونسن إنشاء صندوق خشبي صغير أمام منزله يحتوي على كتب مجانية لتبادلها مع الجيران. هذه المبادرة الفردية وجدت صدى واسعًا، وسرعان ما تحولت إلى شبكة عالمية تُعرف باسم Little Free Library، تضم اليوم مئات الآلاف من المكتبات المسجلة على الخرائط الإلكترونية، إضافة إلى عدد غير محسوب من المكتبات غير المسجلة التي أنشأها أفراد أو جمعيات محلية في مختلف القارات.
تؤكد البيانات الصادرة عن المنظمة المسؤولة عن المشروع أن السنوات الأخيرة شهدت قفزة هائلة في عدد المواقع الجديدة، بفضل انتشار الوعي بالفكرة وسهولة تنفيذها حتى في المناطق الفقيرة أو البعيدة عن المراكز الثقافية التقليدية.

كيف تعمل
مكتبات الشارع؟

آلية عمل هذه المكتبات في غاية البساطة: يقوم أحد السكان أو مجموعة من المتطوعين بتجهيز صندوق خشبي أو معدني، غالبًا مع واجهة زجاجية للحماية من العوامل الجوية، ويضع داخله مجموعة من الكتب. يكتب على الصندوق عبارة واضحة مثل "خذ كتابًا… أعد كتابًا" أو "شارك القراءة". بعدها، يصبح الأمر متروكًا للمجتمع المحلي؛ أي شخص يمر يمكنه أخذ كتاب، قراءته، وإعادته أو وضع كتاب آخر مكانه.
هذه البساطة جعلت الفكرة قابلة للتطبيق في أحياء غنية وأخرى فقيرة على حد سواء، وألغت الحواجز التي قد تمنع البعض من زيارة المكتبات الرسمية مثل مواعيد الإغلاق أو الحاجة إلى عضوية.

أثر اجتماعي وثقافي ملموس

رغم تواضع حجم هذه المكتبات مقارنة بالمكتبات العامة، إلا أن تأثيرها الثقافي والاجتماعي ملحوظ. فهي:

تعزز ثقافة المشاركة والتطوع، حيث يتبرع الناس بكتبهم ويشجعون الآخرين على فعل الشيء نفسه.

تربط بين فئات المجتمع المختلفة، إذ يمكن أن تجد في الصندوق كتابًا قديمًا تبرع به أحد كبار السن، بجانب رواية حديثة وضعها طالب جامعي.

تحيي المساحات العامة، فالناس يتوقفون، يتبادلون الحديث، وربما يوصون بعضهم بكتاب أعجبهم.

تدعم التعليم غير الرسمي، خاصة للأطفال، إذ توفر لهم قصصًا وكتبًا تعليمية دون تكلفة.

في بعض المدن، تحولت مكتبات الشارع إلى نقاط جذب سياحي وثقافي، حيث يحرص الزوار على التقاط الصور بجانبها أو التبرع بكتب من بلادهم، مما يضيف بعدًا عالميًا

للفكرة.

تحديات تواجه الاستمرار

بالطبع، ليست الطريق ممهدة تمامًا أمام هذه المبادرات. بعض المكتبات الصغيرة تتعرض للتلف بسبب الطقس أو أعمال التخريب، وأحيانًا يفرغ الصندوق من الكتب لفترات طويلة إذا لم يكن هناك متابعون نشطون. كذلك، هناك تحدٍ آخر يتمثل في جودة الكتب المتبادلة، حيث قد يضع البعض مواد دعائية أو كتبًا تالفة لا تصلح للقراءة.
لمواجهة هذه التحديات، ابتكرت المجتمعات المحلية حلولًا عملية، مثل تنظيم جداول صيانة، أو إقامة أيام خاصة لتجديد محتوى المكتبة، أو عقد شراكات مع دور نشر صغيرة لتوفير كتب جديدة بشكل دوري. وفي بعض الحالات، وفرت البلديات دعمًا محدودًا بتخصيص أماكن آمنة أو تركيب أرفف محمية من المطر.

البعد الحضري والسياسي للمبادرة

من منظور التخطيط الحضري، تقدم مكتبات الشارع نموذجًا حيًا لكيف يمكن لتدخلات صغيرة منخفضة التكلفة أن تضيف قيمة كبيرة للفضاء العام. فبدلًا من الاقتصار على الحدائق والمقاعد، أصبح بالإمكان دمج عناصر ثقافية تفاعلية في تصميم الشوارع.
بعض المدن التي واجهت إغلاق مكتبات عامة بسبب نقص التمويل، وجدت في هذه المبادرات وسيلة لتعويض جزء من الفجوة، وإن كان بشكل غير رسمي. كما أثارت الظاهرة نقاشات حول دور المجتمع المدني في تقديم خدمات ثقافية لا تستطيع الحكومات توفيرها بالكامل.

ابتكارات محلية وتكييف الفكرة

اللافت أن الفكرة لم تُنفّذ بنفس الشكل في كل مكان. ففي أوروبا، صُممت بعض مكتبات الشارع على شكل

أكشاك هاتف قديمة أعيد توظيفها، وفي اليابان تم دمجها في مداخل المقاهي أو المخابز. أما في بعض الدول العربية، فقد ظهرت نسخ من الفكرة في الجامعات والحدائق العامة، أحيانًا تحت مسميات أخرى مثل "ركن تبادل الكتب" أو "زاوية القراءة الحرة".
هذه القدرة على التكيف مع السياق المحلي ساعدت على ترسيخ المبادرة في ثقافات مختلفة، دون أن تفقد روحها الأساسية القائمة على التبادل المجاني والثقة المتبادلة.

المستقبل: توسع وتنوع

مع التقدم التكنولوجي، بدأت بعض المبادرات تدمج بين مكتبات الشارع والخدمات الرقمية، عبر أكواد QR تتيح تحميل نسخ إلكترونية من الكتب أو متابعة نشاط المكتبة على وسائل التواصل الاجتماعي. وهناك خطط في بعض المدن لربط مواقع هذه المكتبات مع خرائط النقل العام، بحيث يتمكن المسافرون من معرفة أماكن المكتبات القريبة منهم في طريقهم.
كل هذه المؤشرات تدل على أن الظاهرة ليست مجرد موجة مؤقتة، بل جزء من اتجاه أوسع نحو "المدن القارئة"، حيث تصبح الثقافة جزءًا من المشهد اليومي للمدينة، وليس نشاطًا نخبوياً محصورًا في أماكن محددة.

خاتمة

مكتبات الشارع تثبت أن الفعل الثقافي لا يحتاج دائمًا إلى ميزانيات ضخمة أو مؤسسات بيروقراطية، بل يمكن أن يبدأ من صندوق خشبي صغير على زاوية الشارع. وبينما تظل التحديات قائمة، فإن الدعم المجتمعي والشغف بالقراءة كفيلان بضمان استمرار هذه المبادرات. وفي عالم يتسارع فيه كل شيء، تبقى هذه الرفوف الصغيرة دعوة مفتوحة

للتوقف، فتح كتاب، وربما الانطلاق في رحلة فكرية جديدة.

تم نسخ الرابط