DeepSeek الصينية تتخلى عن شرائح هواوي وتعود لتكنولوجيا Nvidia الأميركية في خطوة مثيرة للتعاون عبر المحيط
في خضم السباق العالمي المحموم نحو قيادة الذكاء الاصطناعي، برزت الصين خلال الأعوام الأخيرة كقوة تسعى لتقليل اعتمادها على التكنولوجيا الأميركية، خصوصًا في قطاع أشباه الموصلات ومعالجات الحوسبة المتقدمة. لكن تجربة شركة DeepSeek الأخيرة مع نموذجها الجديد R2، كشفت عن فجوة كبيرة بين الطموح والواقع؛ إذ اضطرت الشركة إلى التخلي عن الاعتماد الكلي على معالجات هواوي Ascend بعد فشل محاولات التدريب واسعة النطاق، لتعود مجددًا إلى معالجات NVIDIA الأميركية، في خطوة أثارت جدلاً واسعًا داخل الصين وخارجها حول حدود الاكتفاء الذاتي وواقعية الأهداف المعلنة.
خلفية عن DeepSeek ورهانها على "الاستقلالية"
تُعد DeepSeek واحدة من أبرز الشركات الصينية الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، وقد حصدت اهتمامًا واسعًا بعد إطلاقها نموذج R1 الذي نافس نماذج كبرى الشركات العالمية مثل OpenAI وAnthropic. ومع نجاحها الأولي، رُوّج لها باعتبارها "الأمل الجديد" للصين في تطوير نماذج لغوية كبيرة دون الاعتماد على الغرب.
النجاح الكبير وضع الشركة تحت دائرة الضوء، وجعلها هدفًا لتوقعات حكومية وإعلامية بأن تُصبح نموذجًا يُحتذى به في الاستغناء عن التكنولوجيا الأميركية. ومن هنا جاء قرارها بمحاولة تدريب النموذج الجديد R2 على شرائح Ascend التي تنتجها هواوي، بدعم سياسي وصناعي يهدف إلى إظهار قدرة الصين على بناء بديل محلي متكامل.
تفاصيل التعثر
التقني
رغم الحماس، سرعان ما ظهرت التحديات:
مشكلات في الأداء والاستقرار: عمليات التدريب التي تتطلب آلاف الشرائح لم تحقق الكفاءة المرجوة، حيث عانت من بطء شديد في الربط بين العقد الحاسوبية وعدم استقرار في تشغيل بعض الأعباء.
فجوة برمجية واضحة: بيئة التطوير الخاصة بهواوي (CANN) لم تصل بعد إلى مستوى أدوات CUDA التي طورتها NVIDIA على مدار أكثر من 15 عامًا. كثير من مكتبات الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر جرى تحسينها لصالح CUDA، ما جعل الترحيل إلى بيئة Ascend أكثر صعوبة.
صعوبات في التوسع: تدريب نموذج بحجم R2 يتطلب بيئة مرنة تسمح بإدارة ملايين المعاملات الحسابية في الثانية، وهو ما لم تستطع الشرائح الصينية دعمه بكفاءة عالية.
نتيجة لهذه العوائق، اضطرت DeepSeek إلى إيقاف التجارب مؤقتًا وتأجيل إطلاق R2، لتقرر في النهاية العودة إلى الاعتماد على معالجات NVIDIA لتكملة التدريب، بينما أبقت على استخدام بعض قدرات هواوي في مرحلة الاستدلال التي تتطلب موارد أقل من التدريب.
الدلالات الاقتصادية
هذا التراجع لا يمثل مجرد حادثة تقنية عابرة، بل يكشف عن واقع اقتصادي واستراتيجي مهم:
خسائر زمنية وتسويقية: تأجيل إطلاق R2 أضعف من زخم DeepSeek الإعلامي وأتاح لمنافسيها الصينيين مثل Baidu وAlibaba فرصة لتسويق نماذجهم بشكل أقوى.
تكلفة مالية إضافية: العودة إلى معالجات NVIDIA تعني تكاليف استيراد وتعاقدات جديدة،
مخاطر على ثقة المستثمرين: الخطوة قد تُضعف ثقة بعض المستثمرين المحليين الذين كانوا يعولون على نجاح التجربة الوطنية الكاملة.
البعد السياسي والجيوسياسي
قصة DeepSeek تأتي في سياق أوسع من الحرب التكنولوجية بين الصين والولايات المتحدة. منذ فرض واشنطن قيودًا صارمة على تصدير المعالجات المتقدمة مثل A100 وH100 إلى بكين، أصبح تطوير بدائل محلية هدفًا استراتيجيًا.
لكن هذه الحادثة توضح أن الطريق ما زال طويلًا؛ فالاستقلالية في هذا القطاع لا تتعلق بصنع الشريحة فقط، بل بإنشاء منظومة متكاملة من البرمجيات وأدوات الدعم والمجتمع التقني، وهو ما تفتقر إليه الصين مقارنة بالهيمنة التي بنتها NVIDIA عبر سنوات.
كما أن عودة DeepSeek لاستخدام الشرائح الأميركية تمنح واشنطن ورقة ضغط إضافية، إذ تُظهر أن القيود قد تعرقل الطموح الصيني ولكنها لا توقفه كليًا، في حين تظل الشركات بحاجة للمنتجات الأميركية على الأقل في المدى القريب.
البعد التقني المتخصص
التدريب مقابل الاستدلال: التدريب على النماذج الضخمة يتطلب قوة حسابية هائلة واتصالًا عالي الكفاءة بين مئات أو آلاف الشرائح، وهو ما تبرع به NVIDIA من خلال مكتبات مثل NCCL. بينما يمكن للشرائح الصينية التعامل مع الاستدلال (استخدام النموذج بعد تدريبه) بكفاءة نسبية، إلا أن الفجوة تظهر
البرمجيات كنقطة قوة: على الرغم من أهمية العتاد، فإن السبب الرئيسي لتفوق NVIDIA هو بيئتها البرمجية المتكاملة. فقد طورت الشركة على مدار عقدين أدوات تجعل من السهل على الباحثين تشغيل نماذجهم بكفاءة، وهو ما لم تستطع هواوي حتى الآن مجاراته.
انعكاسات على مستقبل الذكاء الاصطناعي في الصين
رغم التحديات، لا يعني ما حدث أن الطموح الصيني في الذكاء الاصطناعي قد انهار. بل قد يُنظر إليه باعتباره تجربة ضرورية تكشف مواطن الخلل وتدفع إلى تحسينات مستقبلية.
من المرجح أن تكثف الصين استثماراتها في تطوير البرمجيات المساندة إلى جانب الشرائح.
قد تُعتمد استراتيجيات هجينة في المرحلة المقبلة: تدريب النماذج الكبرى على معالجات أجنبية عند الضرورة، مع استخدام الشرائح المحلية في الاستدلال والتطبيقات العملية.
من المتوقع أيضًا أن تضاعف بكين جهودها لدعم الشركات الناشئة في هذا المجال، حتى لا تتكرر أزمة DeepSeek مع شركات أخرى.
الخلاصة
قرار DeepSeek بالتراجع عن الاعتماد الكامل على شرائح هواوي ليس مجرد خطوة تقنية، بل رسالة مزدوجة:
من جهة، يُظهر أن الصين لم تصل بعد إلى مرحلة الاستغناء عن التكنولوجيا الأميركية في أكثر القطاعات حساسية.
ومن جهة أخرى، يكشف عن رغبة الشركات في تحقيق توازن بين الأهداف السياسية والضرورات العملية لضمان استمرارية مشاريعها.
وعليه، فإن مستقبل الذكاء الاصطناعي في الصين سيظل مرهونًا