علماء المناخ يردّون على تقرير وزارة الطاقة الأمريكي ببيان علمي موحّد وفي صلب المفاوضات القادمة

لمحة نيوز

علماء المناخ يواجهون تقرير وزارة الطاقة الأمريكي: بيان علمي موحّد يكشف ثغرات خطيرة… والملف يدخل صلب المفاوضات الدولية المقبلة

مقدمة
شهدت الساحة العلمية والسياسية في الولايات المتحدة مؤخرًا سجالًا واسعًا بعد إصدار وزارة الطاقة الأمريكية تقريرًا مثيرًا للجدل حول تغيّر المناخ. التقرير، الذي أُطلق منتصف هذا الصيف، كان يُفترض أن يشكّل مرجعًا لصياغة سياسات وطنية جديدة تتعلق بانبعاثات الغازات الدفيئة، لكنه قوبل برفض واسع من المجتمع العلمي. أكثر من 85 عالمًا من أبرز المتخصصين في علوم المناخ والبيئة أصدروا مراجعة نقدية مشتركة، وصفوا فيها التقرير بأنه "مليء بالأخطاء" و"غير صالح كأساس لاتخاذ قرارات سياسية أو قانونية".

هذه المواجهة بين العلماء والجهة الحكومية لم تبقَ في إطار النقاش الأكاديمي، بل تحوّلت إلى قضية ذات أبعاد سياسية وقانونية ودبلوماسية، خصوصًا مع اقتراب القمم الدولية للمناخ، حيث من المتوقع أن تكون الولايات المتحدة تحت المجهر.

خلفية التقرير الحكومي

التقرير الذي أعدّته وزارة الطاقة جاء في إطار ما سُمّي بـ فرقة العمل المناخية 2025، وهو فريق شُكّل لتقييم التأثيرات الاقتصادية والعلمية لظاهرة الاحتباس الحراري. غير أن تشكيل الفريق أثار منذ البداية جدلاً، إذ اعتبر مراقبون أن بعض أعضائه لا يمتلكون الخلفية العلمية الكافية أو يميلون إلى مواقف سياسية متشددة تجاه سياسات المناخ.

أهم ما ورد في التقرير كان محاولة التشكيك في شدة التأثيرات المناخية المتوقعة، والقول إن بعض

النماذج العلمية تبالغ في تقدير الخسائر الاقتصادية والصحية المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة. كما قلّل التقرير من ارتباط الانبعاثات البشرية بالظواهر المناخية المتطرفة، مشيرًا إلى "وجود عدم يقين واسع" في هذه العلاقة.

هذه الاستنتاجات مثّلت انعطافة خطيرة لأنها تتناقض مع التوافق العلمي الدولي الذي رسخته تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ (IPCC) ومعظم الدراسات المحكمة على مدى العقود الثلاثة الماضية.

المراجعة العلمية: ماذا قال الخبراء؟

رد العلماء لم يتأخر. أكثر من 85 باحثًا من جامعات ومراكز أبحاث مرموقة داخل الولايات المتحدة وخارجها تعاونوا لإعداد مراجعة تفصيلية بلغت نحو 439 صفحة، رصدوا فيها ما وصفوه بـ "الأخطاء المنهجية الجسيمة" في تقرير وزارة الطاقة.

أهم ما ورد في المراجعة:

انتقائية واضحة في الاستشهادات
التقرير الحكومي اقتبس من دراسات محدودة تدعم فرضياته، وتجاهل مئات الأبحاث الأخرى التي تقدّم صورة أوضح وأكثر اتساقًا حول مخاطر تغيّر المناخ. هذا الأسلوب، المعروف بـ cherry-picking، يفتقر إلى الموضوعية العلمية ويعطي صورة مضللة لصناع القرار.

أخطاء في تفسير البيانات
بحسب المراجعين، استخدم التقرير بيانات مناخية على فترات زمنية قصيرة لا تعكس الاتجاهات الطويلة الأمد، ما أدى إلى تقليل تقدير حجم الظواهر المتطرفة مثل موجات الحر والفيضانات.

تهميش الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية
قلّل التقرير من التكاليف الاقتصادية للكوارث المناخية، متجاهلًا الأضرار

التي طالت قطاعات الزراعة، الصحة العامة، والبنية التحتية. كما لم يُقدّر بشكل كافٍ تكلفة "اللاعمل" أيّ تكلفة الاستمرار في تجاهل الانبعاثات.

إضعاف قيمة النماذج المناخية
التقرير وصف بعض النماذج الحاسوبية بأنها غير دقيقة أو مبالغ فيها، في حين أن هذه النماذج معتمدة دوليًا وتمت مراجعتها بشكل متكرر. العلماء ردّوا بأن هذه النماذج ليست مثالية، لكنها أداة أساسية لفهم المستقبل المناخي.

لماذا يتجاوز الجدل حدود العلم؟

قد يبدو هذا الخلاف شأنًا أكاديميًا، لكن في الواقع، تداعياته سياسية وقانونية ودولية.

القوانين المحلية والتنظيمات البيئية
التقرير جاء متزامنًا مع مساعٍ لإعادة النظر في ما يُعرف بـ قناعة التسبّب (Endangerment Finding) التي أصدرتها وكالة حماية البيئة عام 2009، والتي تُعتبر الأساس القانوني لوضع قيود على انبعاثات الكربون. أي محاولة لإضعاف هذه القاعدة ستواجه تحديات قانونية، وسيستند المعارضون إلى المراجعة العلمية الجديدة كدليل على ضعف موقف الوزارة.

التأثير على صورة الولايات المتحدة
الولايات المتحدة لاعب رئيسي في مفاوضات المناخ. ظهور خلاف حاد بين العلماء والحكومة يثير الشكوك حول مصداقية الموقف الأميركي. وقد تستغل دول أخرى هذا الانقسام لتبرير تباطؤها في الالتزام بخفض الانبعاثات.

المفاوضات الدولية المقبلة
من المقرر عقد مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ (COP30) لاحقًا هذا العام. هذه الأزمة قد تضع الوفد الأميركي تحت ضغط إضافي، حيث سيطالب المجتمع الدولي بتوضيحات حول

الأسس العلمية التي تستند إليها واشنطن في صياغة سياساتها.

تأثيرات على الداخل والخارج

محليًا: من المتوقع أن تستخدم جماعات البيئة هذه المراجعة كأداة لدعم دعاوى قضائية إذا حاولت الحكومة تقليص القوانين المرتبطة بالانبعاثات.

دوليًا: قد يؤدي هذا الخلاف إلى تعزيز موقف الدول الأوروبية التي تدعو إلى التزامات أشد صرامة، فيما قد تستفيد بعض الدول المنتجة للوقود الأحفوري من التباين الأميركي لتخفيف الضغط عنها.

اجتماعيًا: الرأي العام الأميركي، الذي أصبح أكثر وعيًا بمخاطر الكوارث المناخية، قد يرى في موقف العلماء سببًا للشك في نزاهة بعض السياسات الرسمية.

ماذا بعد؟

الأشهر المقبلة ستكون حاسمة. إذا تجاهلت وزارة الطاقة النقد العلمي، ستواجه اتهامات بإضعاف الأساس العلمي للسياسات العامة. أما إذا أخذت بالمراجعات وأعادت صياغة التقرير، فسيُنظر إلى ذلك كتصحيح لمسار خطير.

في كل الأحوال، المراجعة العلمية الشاملة وضعت المجتمع الدولي أمام حقيقة واضحة: لا يمكن تسييس العلم من دون كلفة. الكلفة قد تكون قانونية، سياسية، أو حتى دبلوماسية على طاولة المفاوضات.

خاتمة

القضية الراهنة تعكس صراعًا عميقًا بين الحقائق العلمية والمصالح السياسية. رد علماء المناخ على تقرير وزارة الطاقة ليس مجرد نقاش حول أرقام ونماذج، بل معركة على مصداقية العلم ودوره في حماية مستقبل البشرية.

ومع اقتراب المفاوضات الدولية الكبرى، يبدو أن هذا الخلاف سيكون واحدًا من الملفات الساخنة التي ستحدد إلى أي مدى يمكن للدول أن

تثق بالولايات المتحدة كشريك ملتزم بالعلم والواقع، لا بالمصالح الضيقة أو الحسابات السياسية قصيرة الأمد.

تم نسخ الرابط