التعلم المستمر: ركيزة أساسية لتطوير الذات وتحقيق النجاح المهني

لمحة نيوز

التعلّم مدى الحياة: استراتيجية محورية للتفوّق المهني في ظل تسارع التغيير

في عصر تتغير فيه المهن وتتبدّل المهارات المطلوبة باضطراد، يظهر التعلّم المستمر ليس خيارًا بل ضرورة استراتيجية. تتضافر مؤشرات حديثة من دراسات دولية وشهادات مهنية لتؤكد أن الأفراد والمؤسسات التي تعتنق ثقافة التعلم المستمر هي التي تبقى في الطليعة، وتتمكّن من مواجهة تحديات المستقبل بثقة وقدرة على التكيّف.

التحوُّل في طبيعة الوظائف يدفع نحو التعلم المستدام

إحدى أبرز التحولات الراهنة هي استمرار تلاشي الحواجز بين مهن جديدة وأخرى قد لا تكون موجودة قبل عقدين. تعتمد الصناعات الآن على التكنولوجيا والتحول الرقمي، مما يتطلب من العاملين اكتساب مهارات جديدة بسرعة. في هذا السياق، يرى بعض القادة أن المستقبل المهني لن يُقاس بكمّ الشهادات الجامعية بل بمدى القدرة على التعلّم والتكيّف، والاستعداد للدخول في مجالات تقنية حديثة.

ما تكشفه الدراسات حول مشاركة البالغين في التعلّم

أحدث تقرير من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) يعتمد على بيانات

مسح مهارات البالغين لعام 2023 ليرسم صورة ميدانية لواقع التعلم لدى البالغين. التقرير يشير إلى أن نحو 40٪ من البالغين في الدول الأعضاء يشاركون في نشاط تعليمي غير رسمي أو متعلق بالعمل، بينما نسبة المشاركة في التعليم الرسمي تكاد لا تتجاوز 8٪. 
لكنّ هذا الاتجاه ليس تصاعديًا في كل الدول؛ فبعض الدول تشهد تراجعًا في مشاركة البالغين، مما يمثّل تحدّيًا كبيرًا في زمن يُفترض فيه أن التعلم المتجدد عامل حيوي للتكيّف مع المتغيرات. 

التقرير أيضاً يسلّط الضوء على أن الأشخاص الأكبر سنًا (55–65 سنة) هم الأقل مشاركة في أنشطة التعلم مقارنة بمن هم في عمر 25–34 سنة، حتى عندما يُقارنون ضمن نفس المستوى التعليمي. وهناك فجوة كبيرة بين من لديهم مستويات مهارية أعلى والذين يعانون من ضعف في الكفاءة الأساسية؛ فالأول أكثر ميلًا للانخراط في أنشطة التعلم. 

كيف تتبنّى المؤسسات التعلم المستمر؟

من جهة المؤسسات، باتت استراتيجيات التعلم والتطوير (L&D) تحت المراقبة المركزية للإدارة. في تقرير، يُذكر أنّ العديد من المنظمات

باتت تدمج منصات تقنية لتحليل فجوات المهارات وتقديم توصيات مخصصة للموظفين، وهو ما يُعرف بـ “التعلّم الموجّه بالمهارات” (skills-based learning). 
فعلى سبيل المثال، في شركة صناعية كبيرة مثل “سيمنز”، تم تنشيط برنامج داخلي يُدعى MyGrowth يتيح لمئات الآلاف من الموظفين إجراء تقييمات مهارات ومعرفة المجالات التي يحتاجون إلى تطويرها، ثم توجيههم نحو برامج محددة. 
كما أن المؤسسات التي تربط دور التعلم بنمو المسار المهني للموظف – أي تربط التعلم مباشرة بفرص الترقّي والحركة الداخلية – تلاحظ معدلات أعلى من الالتزام والتفاعل الوظيفي.
وفي واقع التشغيل، دراسة في القطاع الإداري للإدارة البشرية أشارت إلى أن من بين أولويات 2024 في مجال التعلم والتطوير كان توجيه برامج التعلم نحو أهداف العمل، وتعزيز ثقافة التعلم داخل المنظمات، وتعزيز آليات الاحتفاظ بالموظفين من خلال التعلم والتطوير المهني. 

الفوائد الحقيقية للتعلم المستمر للفرد والمؤسسة

الأشخاص الذين يلتزمون بالتعلم المستمر غالبًا ما يحققون قفزات في الأداء والكفاءات

التي تؤهلهم للحصول على مشروعات أكثر تحديًا أو حتى تغيير مجال عملهم إلى قطاع أكثر طلبًا. كما أن التعلم المستمر يسهم في رفع مستويات الأجور والرضا الذاتي، بحسب تحليل العائدات التعليمية في دراسات البالغين، حيث يُشير كثير منهم إلى أن فوائد التعلم تتجسّد عمليًا في تحسين الأداء والترقّي المهني. 
من جانب المؤسسات، الاستثمار في التعلم يساهم في خفض معدلات دوران الموظفين، وزيادة الابتكار داخل الفرق العاملة، وتعزيز قدرة المؤسسة على التكيف مع تغييرات السوق.

مستقبل التعلم المهني: ملامح وتوجهات

سيزداد استخدام الذكاء الاصطناعي في تصميم مسارات التعلم المخصّصة، بحيث يقترح البرنامج الأنسب للفرد بناءً على تقييمه المهاري.

الاعتماد على شهادات مصغّرة والاعتماد المهني المختص بدلاً من الشهادات الجامعية التقليدية.

تكامل أكبر بين أنظمة التعليم والتدريب وسوق العمل لازماً لزيادة توافق المهارات المطلوبة مع المعروضة.

مزيد من السياسات الداعمة على المستوى الوطني لتعزيز الوصول العادل للتعلم بين الفئات الأقل دخلًا أو الذين يعانون

من ضعف في المهارات الأساسية.

تم نسخ الرابط