وكالات التبني في كوريا الجنوبية ترتكب عمليات احتيال واسعة النطاق و ترسل الأطفال إلى أميركا و اوروبا
تتوالى فضائح التبني الدولي وهذه المرة توجه الأنظار نحو كوريا الجنوبية التي تواجه اتهامات خطيرة تتعلق بقيام وكالات التبني بعمليات تزوير ممنهجة لملفات الأطفال وإرسالهم إلى دول غربية مثل الولايات المتحدة وأوروبا دون علم أو موافقة والديهم البيولوجيين.
تحقيقات استقصائية وتقارير حقوقية كشفت النقاب عن شبكة معقدة من التلاعب الإداري والقانوني حيث استغلت وكالات التبني غياب الرقابة الفعالة لتحقيق مكاسب مالية ضخمة ما أدى إلى اقتلاع آلاف الأطفال من جذورهم الأصلية وزجهم في حياة جديدة دون أي صلة بماضيهم الحقيقي.
شهدت كوريا الجنوبية ارتفاعا حادا في أعداد الأطفال الذين تم إرسالهم إلى الخارج للتبني حيث كان ينظر إلى هذه الممارسة كوسيلة لحل أزمة الأيتام. ومع مرور الوقت أصبحت عمليات التبني الدولي صناعة مربحة تديرها وكالات متخصصة بالتعاون مع الحكومة ما أدى إلى سلسلة من الانتهاكات التي ظلت مستترة لعقود.
تكشف الوثائق المسربة أن بعض وكالات التبني قامت بتسجيل أطفال لديهم والدان على قيد الحياة على أنهم يتامى وذلك من خلال التلاعب في المستندات الرسمية. كما تم تغيير تواريخ ميلاد الأطفال وأسمائهم مما صعب عليهم لاحقا استعادة
تتحدث لي سونغ مي وهي امرأة تم تبنيها في الولايات المتحدة عام 1984 عن صدمتها حين اكتشفت أن جميع المعلومات التي كانت تعرفها عن نفسها كانت مبنية على تزوير ممنهج. تقول نشأت معتقدة أنني يتيمة لكن عندما بدأت البحث عن جذوري وجدت أن والدي البيولوجيين كانا لا يزالان على قيد الحياة. لم يتخلوا عني بل تم تزوير هويتي وإجباري على حياة لا علاقة لي بها.
حالتها ليست استثناء فقد كشف تقرير صادر عن منظمة أدوبيشن تراوث أن آلاف الأطفال الكوريين الذين تم تبنيهم دوليا لديهم وثائق غير دقيقة ما يجعل من المستحيل عليهم تتبع أصولهم الحقيقية. كما أفادت بعض العائلات الكورية أن أطفالهم وضعوا مؤقتا في دور الرعاية على أمل استرجاعهم لاحقا لكنهم فوجئوا بأنهم تم تبنيهم دون علمهم أو موافقتهم.
على الرغم من ظهور أدلة قوية على وجود تزوير ممنهج في عمليات التبني إلا أن الحكومات الغربية التي استقبلت هؤلاء الأطفال لم تتحرك بالشكل الكافي لمعالجة المشكلة. في عام 2013 علقت الدنمارك جميع عمليات التبني من كوريا الجنوبية بعد ورود تقارير عن تلاعب في المستندات لكن دولا أخرى مثل الولايات المتحدة وفرنسا
في عام 2022 تقدم أكثر من 300 شخص تم تبنيهم دوليا بشكاوى رسمية إلى لجنة حقوق الإنسان في كوريا الجنوبية مطالبين بفتح تحقيق شامل حول وكالات التبني وممارساتها غير القانونية. ورغم اعتراف الحكومة ببعض المخالفات إلا أن الإجراءات المتخذة حتى الآن لم تؤد إلى محاسبة فعلية للمسؤولين المتورطين.
تشير التحقيقات إلى أن الدافع الأساسي وراء هذه الانتهاكات هو الربح المالي الهائل الذي تحققه وكالات التبني. حيث تتراوح الرسوم التي تدفعها العائلات الأجنبية لتبني طفل من كوريا الجنوبية بين 15000 و دولار لكل حالة تبني ما يجعل التبني الدولي مصدرا مربحا لهذه الوكالات.
رغم أن هذه الأموال تدفع تحت مسمى التكاليف الإدارية إلا أن تحقيقات مستقلة أظهرت أن جزءا كبيرا منها يستخدم في تقديم رشاوى للمسؤولين الحكوميين وتزوير المستندات فضلا عن تمويل حملات تسويقية لجذب المزيد من العائلات الأجنبية الراغبة في التبني.
يقول كيم جي هون الباحث في قضايا التبني الدولي لقد تحولت عمليات التبني إلى تجارة تدر ملايين الدولارات سنويا. هناك شبكة واسعة من المحامين والوسطاء والمسؤولين الحكوميين
أثارت هذه الفضيحة ردود فعل قوية على المستوى الدولي حيث طالبت منظمات حقوق الإنسان بفرض قيود أكثر صرامة على التبني الدولي والتأكد من صحة السجلات قبل إتمام أي عملية تبني.
في الولايات المتحدة دعا أعضاء في الكونغرس إلى فتح تحقيق شامل في عمليات التبني القادمة من كوريا الجنوبية مشددين على ضرورة إجبار الحكومة الكورية على نشر جميع السجلات المتعلقة بالتبني الدولي وضمان حقوق المتضررين في الوصول إلى هويتهم الحقيقية.
أما في كوريا الجنوبية فقد بدأت مجموعات من الناشطين والمتبنين السابقين في تنظيم حملات ضغط لإجبار الحكومة على فتح ملفات التبني القديمة وتمكين المتضررين من استعادة سجلاتهم الحقيقية مع تقديم تعويضات مالية ونفسية لمن تعرضوا للضرر بسبب هذه الممارسات غير القانونية.
مع تزايد الضغط الدولي وتكاثر الشهادات التي تكشف عن مدى الفساد في عمليات التبني يبدو أن هذه الفضيحة قد تكون بداية نهاية التبني غير المنظم في كوريا الجنوبية. لكن على الرغم من التحركات الأخيرة فإن الطريق نحو تحقيق العدالة لا يزال طويلا خاصة بالنسبة للآلاف الذين فقدوا هويتهم بسبب