دراسة جديدة تكشف انتشارًا متزايدًا لمقاومة المضادات الحيوية في المستشفيات العربية

لمحة نيوز

 

في خضم تصاعد المخاطر الصحية العالمية، أظهرت بيانات حديثة أن مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية تشهد انتشارًا متزايدًا داخل المستشفيات العربية، ما يثير قلقًا بالغًا حول فعالية العلاجات التقليدية وسلامة المرضى. هذه الظاهرة ليست فريدة للدول النامية فحسب، بل تمثل تحديًا مركزيًا للأنظمة الصحية في المنطقة، حيث أن نقص التشريع الفاعل وسوء الاستخدام الطبي يزيدان من خطورة الموقف.

أحد أبرز الدراسات المتخصصة في هذا المجال تداولت ممارسات الصيدليات في 19 دولة عربية، حيث شارك أكثر من 2,800 صيدلاني في استقصاء بشأن طرق صرف المضادات الحيوية بدون وصفة طبية. أظهرت النتائج أن أكثر من نصف المشاركين يعترفون بأنهم لا يلتزمون دائمًا بالإرشادات المعمول بها، ويُقرون أن بعض الطلبات تُلَبَّى دون فحص أو وصف طبي، ما يعزز فرص ظهور سلالات مقاومة جديدة. (مقتبس من الدراسة الخاصة بصرف المضادات الحيوية في الدول العربية)

من جهة أخرى، تُشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن واحدًا

من كل ستة التهابات بكتيرية في العالم بات مقاومًا للعلاجات المعتادة، وأن مقاومة المضادات قد ارتفعت في أكثر من 40٪ من العينات خلال السنوات الخمس الأخيرة، خصوصًا في الدول ذات النظم الصحية الأضعف. تتأثر المنطقة العربية بشدة بهذا الاتجاه، حيث تُعد بعض دول الشرق الأوسط ضمن المناطق التي تعاني معدلات مقاومة مرتفعة، لا سيما تجاه المضادات الحيوية واسعة الطيف مثل الكاربابينيم والفلوروكينولونات.

إن الانتشار المتنامي لهذه الظاهرة في المستشفيات العربية يعكس مجموعة من العوامل المتشابكة. أولها الإفراط أو الاستخدام العشوائي للمضادات الحيوية من دون رقابة أو وصف طبي دقيق، سواء في المستشفيات أو الصيدليات العامة. ثانيًا ضعف أنظمة المراقبة والمختبرات القادرة على تحديد مقاومة البكتيريا بشكل دقيق وسريع، إذ كثيرًا ما تُستخدم ذات المضادات على نطاق واسع دون معرفة متعمقة بحساسية الميكروبات.

ثالثًا، الضغوط الناتجة عن جائحة كوفيد-19 ساهمت في تكثيف وصف المضادات الحيوية كمُعالجة

وقائية في حالات الالتهابات التنفسية حتى في حالات فيروسية، ما زاد من الزخم نحو المقاومة. في الإمارات مثلاً، تُشير مراجعة لسياسات مكافحة العدوى إلى أن بعض المستشفيات قد شهدت ارتفاعًا في استخدام المضادات خلال فترات الذروة، دون متابعة فعالة للنتائج المختبرية.

كما أن نقص التنسيق بين القطاعات الصحية، غياب برامج التوعية في الأوساط الطبية والمجتمعية، وضعف التشريعات الرقابية حول صرف الأدوية يُعدّ من العوائق الكبرى أمام احتواء المشكلة. الأهم من ذلك، أن بعض المستشفيات تفتقر إلى وحدات مستقلة لمكافحة العدوى أو فرق استشارية متخصصة في سياسة استخدام المضادات (Stewardship)، ما يجعلها أكثر عرضة لانتشار العدوى المقاومة بين المرضى.

ما يخشاه الخبراء الآن هو أن هذه الظاهرة قد تؤدي إلى اختفاء فعالية بعض العلاجات الأساسية لعدوى الدم، الجهاز البولي أو الالتهاب الرئوي في السنوات المقبلة، مما سيرفع من معدلات المضاعفات والوفيات في المستشفيات، ويطيل مدة البقاء في المستشفى.

وللتصدي

لهذا الخطر، يقترح أصحاب الاختصاص عدة خطوات أساسية، من بينها إنشاء برامج مراقبة وطنية لمقاومة المضادات، وتعزيز قدرات المختبرات لتشخيص المقاومة بدقة، وتطبيق سياسات صارمة لصرف المضادات فقط بوصفة طبية، إلى جانب إشراك الصيدلة والمهن الطبية في حملات التوعية بأهمية الاستخدام الحكيم. كما يُنصح بإنشاء فرق استشارية في المستشفيات لمراقبة أنماط الاستخدام وضبطها، وتعزيز البحث في بدائل علاجية، بما في ذلك العلاجات المساندة أو المضادات الجديدة.

في المجمل، ما تكشفه هذه الدراسات ليس مجرد أرقام بل إنذار حقيقي بأن المساحة العلاجية التقليدية تتراجع شيئًا فشيئًا في المستشفيات العربية، وأن ما كان يُعالج بسهولة قد يصبح مهددًا بعدم الاستجابة. لم تعد المعركة مع البكتيريا تقتصر على تطوير مضادات جديدة، بل تتطلب تغييرًا جذريًا في ثقافة الاستخدام، والرقابة، والتنسيق بين الجهات الصحية على المستويين المحلي والعربي لضمان أن تستمر المضادات في أداء دورها الحيوي في حماية الصحة العامة.

 

تم نسخ الرابط